حياة الرايس
ليت لبلقيس عيناً لترى
كأن الدعوة الى اليمن جاءتني من بلقيس ملكة سبأ لا من رئيسة مركز البحوث والدراسات النسوية التابع لجامعة صنعاء لحضور ” المؤتمر الدولي لتحديات الدراسات النسوية في القرن الحادي و العشرين ” .
أي تحديّات تشهدنها حفيدات بلقيس ؟ هل نسين أول درس اعطته لهن مليكتهن العظيمة حين قالت قولتها الشهيرة :
” أيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ” لتعلمنا و تعلّم العالم اجمع اولى ابجديات الديمقراطية و الشورى …..و لكن يبدو ان الدرس نُسي و غاب في متاهات عصور الجهالة . أو لعلّ حفيدات بلقيس أردن دخول القرن الحاديى و العشرين متسلحات بنور الحداثة نافضات عن عقولهن غبار الازمنة التعيسة دون قطع مع حكمة و فلسفة الاجداد .
ليلة المؤتمر
تلك الليلة كانت بلقيس ملكة سبأ قد قامت الى عيني : في ثوبها الملكي تجرّ حللها الطقوسية : ملكة اسطورية تسير الى ” اورشليم ” حيث الملك سليمان بانتظارها
كانت ملكة عظيمة ،حكيمة ،خرافية الجاه و الجمال و السطوة و العزة و المال …. في موكب محمّل بقناطر الذهب و الاطياب و الحجارة الكريمة …..
سالت بلقيس لماذا ذهبت اليه : ؟ و النساء في الشرق لا يذهبن الى الرجال بل يضمّخن الطريق اليهم بالبخور و العطور و الغنج و الدلال حتى يهتدون اليهن ويقعون ركعا بين أيديهن .
قالت بلقيس قولتها الشهيرة :
” إن الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها و جعلوا أعزّة أهلها أذلة و كذلك يفعلون ”
و ها هي تعطينا درسا آخر في الحكمة و حنكة الحكم لتقول لي انها ليست مجرد أنثى تنتظر راكعا بين يديها يرضي غرورها إنها الملكة الحكيمة التي ارادت ان تربط تجارة الجنوب بتجارة الشمال و تمتد بطريق القوافل من البحر الى البحر ( اي من سواحل البحر العربي الى سواحل البحر المتوسط )القوافل المحمّلة بالعطور و البخور و المرّ و اللّبان التي كان عليها اقبال كبير في العالم القديم عالم ما بين النهرين و بلاد الشام و حوض المتوسط ووادي النيل ،التي ما كانت بيوتها و معابدها مابين ـ نينوى ـ وـ الكرنك ـ تستطيع الاستغناء عن البخور لتقديم النذور للالهة و حرقه امام جثث الموتى الراحلين الى دار الخلود مضمّخين بكل انواع العطور و الاطياب وتحنيط المترفين منهم . كما لم يكن الاحياء في غنى عن مواد الزينة و التجميل و تركيب الادوية حتى قال عنهمم بعض المؤرخين :” انها البلاد التي تنظر اليها الالهة بعين الرضالانها بلاد المرّ و الاطياب و العطور “. حين كانت اليمن تقوم بدور الوسيط التجاري بين سواحل الهند و جزر الشرق الاقصى و شرق إفريقيا و حوض المتوسط .
حفاظا على كل ذلك و على دور اليمن الكبير ” اليمن السعيد “بكل ذلك و على مزيد ازدهاره و توسعه سارت بلقيس الى الملك سليمان في موكبها قبل ان ياتي اليها
مطار صنعاء
في مطار صنعاء كان الاحتفاء كبيرا من طرف مضيّفين و مضيّفات المؤتمر الذين جاؤوا لاستقبالنا و تسهيل معاملاتنا ، كما كانت حرارة اللقاء بين الوفود القادمة من عدة بلدان قد غطت على المبنى الصغير و المتواضع جدّا للمطار .
لكن عندما خرجنا الى الشارع لاستقبال المدينة صحبة مضيفاتنا و ما ان اجتزنا عتبة المطار حتى وجدنا انفسنا في بطحاء متربة كانها سوق تعج بالحمّالين و السوّاقين و الشحادين و كلهم ” مخزّنين ” بمعنى يتعاطون نبتة ” القات ” المخزّنة تحت لثثهم و الواضحة من انتفاخ خدودهم كانها ورم و من سيلان لعابهم الاخضر من طرف شفاههم حتى الرقبة من بقايا هذه النبتة ….
كوكبة من الاطفال و الشيوخ المتسولين كانواالاسرع الى استقبالنا حفاة عراة يركضون باتجاهنا من كل صوب و اينما ذهبنا و كانت مرافقاتنا تنشهم مثل الذباب و تقول :” روحوا روحوا الله يخزيكم فضحتونا خجلتم الحكومة هؤلاء ضيوف لقد فضحتم الحكومة …..”
و لكنهم لا يبالون ، ينفذون الينا من بينهن و أكفهم النحيلة و الصغيرة ممدودة والسنتهم تلهج بالدعاء الذي يخرج منحرفا من افواههم المرصوصة وخدودهم المنتفخة بمخزون ” القات ” و نفوسهم معلقة بالدولار :
قلنا لهم اننا لم نصرف بعد (امام منع مرافقينا من اعطائهم اي شئ )و قد كانوا يحيلون بيننا و بينهم قالوا هاتوا اردني هاتوا دولار هاتوا اي شئ …. فاستغربت كيف عرفوا اننا قدمنا من الاردن ؟وقد كنا بالفعل في ترانزيت من تونس الى عمّان حتّى عرفت فيما بعد ان التسول هنا احتراف .
سرعان ما اوقفت مضيّفاتنا تكاسي و رمونا بها هربا من ملاحقة الشحادين الذين كانوا يمسكون بتلابيبنا و يتبعثرون بين ارجلنا .
في سيارة التاكسي و في الطريق الى الفندق كنا نتطلع من النافذة لنرى البلد فكانت تقابلنا اكوام النفايات عالية راسية على حافتي الشارع و ما هو بشارع إذ مازلنا نسير في بطحاء متربة
في سيارة التاكسي تدفقت من عيني دمعة :
على هذا اليمن الذي كان يسمّى في يوم من الايام بالسّعيد
اين هي سعادته ؟
يا الاهي كيف يوجد بلد عربي على هذا الفقر و هو في قلب الخليج الثري ؟
ناديت يا كنوز سليمان اين انت ؟
و انت ايها الهدهد لماذا لا تخبر سليمان الملك (النبي الذي يعلم كل شئ )عن هذا “” اليمن السعيد ” ”
و تمنيت لبلقيس عينا لترى ….
باب اليمن : قلب صنعاء القديمة
وصلنا الفندق نحن ضيوف مؤتمر المراة العربية الذي يعقده مركز الدراسات بجامعة صنعاء ……
كان الوقت آخر عشيّة و الشمس انطفات على اكوام المزابل التي تركناها في الطريق و السماء بدات تاخذ لون الغروب بغبشه الرمادي لننحشر في فندق فخم يعتبر نشازا امام ما راينا
نفرنا بسرعة من الفندق بمجرد ما وضعنا امتعتنا فيه و تسلمنا مفاتيح غرفنا
ووجدنا انفسنا نستقل سيارة تاكسي من جديد الى مدينة صنعاء القديمة .كنا نريد ان ننفذ الى قلب صنعاء بسرعة قبل ان تغلق ابوابها و كنا على عتبة الليل و مع ذلك خرجنا انا و ليلى الشافعي المغربية و زليخة ابو ريشة من الاردن و نوال حلاوة الكاتبة الفلسطينية التي تعيش في كندا و مرافقتنا اليمنية واصلها من عدن هيفاء الاصبحي …..
كانت بنا رغبة مشتركة لم يثنها الغروب و شوق كبير الى معانقة تاريخ صنعاء وملامسة نبضها
أوقفنا سائق التاكسي امام بوابة كبيرة خرافية الحجم و قال هذا باب اليمن هذا قلب صنعاء القديمة فتراكض الينا المتسوّلون كالعادة بالاكف الصغيرة و الالسن الطليقة بالدعاء يحيطون بالتاكسي من كل ابوابها :” عشر دولارات عشر دولارات بس والله يبعثلك فيزا لامريكا !”….
نزلنا فوجدنا غبشا و غروبا ينتظرنا لا يبدو عليه قلق الرحيل و عتمة قادمة على مهل وباعة لا يستعجلهم قدوم الليل و بشرا مازالوا يموجون و يتجادلون اسعار البضاعة و بقايا حشود الباعة و المشترون و الزمن غائب كأن الغروب ليس حدا فاصلا بين وقتين ، لا احد يعيره انتباها ، انما كل الانتباه للزائرين الجدد القادمين على السوق ، كان الكل يدعونا لبضاعته يمينا و شمالا
فحمدنا اللله اننا لحقنا السوق قبل ان يغلق
كان لا بد ن وقفة امام الباب العظيم قبل الدخول الى السوق …..
لانه ليس مجرد مصاريع خشبية ضخمة على سور المدينة لكنه بناء متكامل يضم مجموعة من الغرف والدهاليز والأسطح التي كان يستغلها عمال الحراسة في الماضي كسكن وأبراج للمراقبة وتحولت هذه الغرف اليوم إلى مركز للمعلومات حول تاريخ المدينة القديمة ومعرض دائم للفنون التشكيلية ومن على سطحها يطل السياح لمشاهدة امتدادات المدينة والوقوف على ابرز معالمها كما عرفنا ذلك فيما بعد … والساحة أمام باب اليمن تحوّلت إلى سوق أيضا تباع فيه منتجات الحرف والصناعات اليدوية من سيوف وخناجر الى جانب الأجهزة الالكترونية من كاميرات وهواتف محمولة وتلفزيونات كما انه ساحة انتظار للعمال والحرفيين الباحثين عن فرصة عمل كما علمنا فيما بعد
تحت البوابة العظيمة مفارقات : اوساخ و اسمال و شيوخ و اطفال حفاة و فقر وبؤس و تاريخ ضارب في القدم ومعمار فريد من نوعه على مرّ التاريخ كشاهد ابدي على عراقة هذه الحضارة و على راهن ضارب في البؤس و الفقر المدقع .
توغلنا في صنعاء القديمة حيث مازال الشطر العربي منها محتفظا باسواره القديمة المبنية باللبن و الطوب الترابي المجفف بحرارة الشمس دون سواها و بعدة ابراج شبه دائرية .و ما تزال الدور في هذه المدينة و هذا اهم مايميزها مراعية للتقاليد اليمنية العريقة في البناء و قد عرفت صنعاء الطوابق التي تصل حتى الثمانية ادوار ويسترعي الانتباه في هذه البيوت التي بدات تضئ انوارها ما بين المغرب و العشاء كثرة النوافذ و هى عبارة عن كوى صغيرة هي اقرب الى الفتحات البسيطة و زجاجها متعدد الالوان ….هذه التحف المعمارية التي لا نجد لها مثيلا في العالم تقام وسط اسواق و ساحات متربة مهملة و اكوام نفايات …..تشوّه جمال معمارها الفريد …..
اي مفارقات يخبئها لنا هذا البلد العريق ؟
اين انت يا سليمان مرة اخرى و اين انت يا بلقيس ؟
و من ينقذ صنعاء القديمة ؟
من ينقذ واحدة من اجمل المدن الباقية على وجه الارض ؟













