حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
السياسة تهمةٌ وشَرَفٌ
 
السياسة

 تهمةٌ جميلةٌ لا نُنكِرُها

وشَرَفٌ باذخٌ لا نَدَّعيه!!  

       

      بلهجةٍ متعاليةٍ ولكنْ مرتجفة ، تفوّه نفَرٌ في ما يشبه الهرف بأن الخطوات الإجرائية التي احتشدت لها الهيئة التدريسية ومساعدوها في جامعة حضرموت ، هي ( عمل سياسي!!) ، كأنما العمل النقابي المُمنهَج الجاد البعيد عن البراغماتية الدارجة مرادفٌ قبيح للعمل السياسي الذي يصِمونه - غير منصفين - بالخيانة!!. ولقد ذهب أولئك أشواطاً في تعالٍ مرتجفٍ ليصموا أساتذة الجامعة بوصمةٍ هم بها أولَى ، من حيث ابتعادهم عن فهم حقائق الأمور ، وتصويرها، بهوى زائغ ، صوراً مرادفة للخروج على القانون ، وهم يدركون أن القانون كفل للنقابات كافة حقوقاً يريدون القفز عليها بـاستخدامهم كلمة السياسة مرادفة للخيانة ( الوطنية!) ، لكأن الوطنية بطاقة عمياء خرساء!. 

         واستجاب مرتجفون آخرون للتأويل المرتجف فأرجفوا في المدينة ، وباتوا يهرفون بمالا يعرفون، حتى ظنوا أن السياسة أرخص تهمة مُرهِبة يدارون بها سَوءة الخلل ، فلذَ لهم أن يتمادوا في حماقاتٍ طفولية غير بريئة تظن العالم أنما خُلق من أجلها وحدها فقط ، ثم اطمأنوا إلى وهم كذاك ، واستطاروا في وهمهم يعمهون.

          ليس لنا أن نرى الهرم المقلوب إلا مقلوباً ، ولن نراه إلا كذلك ، وإن رأوه واقفاً على قاعدة الوهم ، ولهم أن يصِموا من يشاؤون بما يشاؤون ، لكن لنا أن نستمسك بالقانون ولهم أن يخرجوا عليه بما أوتوا من وهم على خوف على زيف على تضليل ، مادمنا مكرَّمين بعقلٍ ووعيٍ وإرادةٍ ليست معروضة في ( بازارٍ ) عام لغته الصاخبة المزايدة ثم المزايدة.

        ويقولون: ( هؤلاء يشتغلون سياسة ) ، وتلك تهمة جميلة لا ننكرها وشرَف باذخ لا ندّعيه. جاء في ( لسان العرب ) لابن منظور: ( والسياسة : القيام على الشيء بما يصلحه ). فهل القيام على الشيء لإصلاحه تهمة في هذا الزمان والمكان؟

          إن السياسة بمعنى إصلاح أوضاع الجامعة هي ما نقوله وما نفعله في فضاء مفتوح على وسعه ، وسنظل نقوله ونفعله ، لكن السياسة التي نعنيها ليست العمل الحزبي الشائه المثقل بالخطايا ما ظهرَ منها وما بطن ، الذي يمارسه غيرنا ثم يرمينا به على طريقة :( رمتني بدائها وانسلّتِ ). ثم من قال إن سياسة أوضاع الجامعة سياسةَ رُشدٍ مرجعيتها قانون الجامعات النافذ ، ليست من صميم واجبات الهيئة التدريسية وهيئتها الإدارية المنتخبة بشرعية القانون؟.

         إننا لسنا بديلاً لأحدٍ ، كما يزعمون ، لكن الهرم مقلوبٌ أيها السادة ، ولكي نراه كما يراه ذوو الإرجاف المتعالي ينبغي لنا أن ( نتشقلب ) رأساً على عقب ، أو أن نُخرس في ضمائرنا صوت القانون والعقل والمنهج ، أو أن نكون أمّعات قاصرين ، أو أن نعيش بسيكولوجية العبد اللاهج ، بكرةً وأصيلاً ، بعبارات الطاعة الشمطاء من مثل: ( مرحبا سيدي.. حاضر سيدي..اللي تشوفه ياسيدي..)، أو أن نخرج الكلمات من سياقاتها الطبيعية والمنطقية مثل: ( لا يُفْتَى ومالك في المدينة ) ، مع عدم التشابه بين المقول له هذه العبارة والإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه!. أو أن نحرّف الكلم عكساً بعكس : ( ولا الضالين.. آمين )، أو أن نتشبه بمن يخترم الحقائق اختراماً ، بقصدية جائرة :( ولا تقربوا الصلاة...)!!.

         هل في قولنا افتئات على أحد أو جماعة أو جهة ؟ .. إنهم يفتئتون على حق أساتذة الجامعة القانوني الصريح ، لتظل مواد القانون حبراً على ورقٍ من أوهام رمادية يراها النائمون على فراش الرِّق الفكري مدينةً فاضلة ، ويراها غيرهم الواقفون في ضحى المدينة القائظ ، جداراً يريد أن ينقضَّ ، ولا كنز تحته، على خلاف ما ورد في التنزيل الحكيم.   

         إن للكلام لاشتعالاً نورانياً كجذوات شفافيته ، لكن بلاغته في إيجازه ، وغايته أن نعود إلى المعنى البريء للكلمة المتسنمة هذا المقال ، إلا إذا كان للمعنى النزِق المتداوَل فضاء من ضلال القول والفعل ، فإننا نستحضر الحطيئة وقوله:

لقد سُوّستِ أمرَ بنيكِ حتى       تركتِهِمُ أدقََّ من الطحينِ

        على أن نتأمل جذر الكلمة وإيحاءاته:( ساسَ الطعامُ وسوّسَ :إذا وقع فيه السُّوس...وساست الشاةُ : كثر قملُها ...والسّوَس: داء يكون في عجُز الدابة بين الورك والفخذ يورثه ضعف الرجل... والسواس : داء يأخذ في أعناقها فييبسها حتى تموت ...إلخ ). فهل من متأملٍ ، له من منهجيته العلمية والأخلاقية حصانة من أن يقع مواقع الدواب ، وعندئدٍ سوف تُحرَّر الكلمة الجميلة من ظِلال معناها السلبي وضَلاله، لئلا يسوس طعامٌ ، ولا شاةٌ ، ولا دابةٌ ، ولا هيئة ، ولا نقابة ، ولا جامعة ، ولا وطن جميل كهذا الذي يتسع للمخلصين.

 

( الأكاديمي)
 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية