حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
ابتسمْ .. أنت لستَ في كوريا !!
 
الدرس الأول:

ابتسمْ .. أنت لستَ في كوريا !!

 

سعيد الجريري

 

      ليس لديها بترول أو مصادر أخرى للطاقة ، ولا تملك سوى ثروتها البشرية وهي ثروة تتمثل في شعب جيّد التعليم. ليس لديها سوى الإنسان والمدرسة ، والمدرسة هي الاستثمار الأول الذي يُنتج لها الثروة البشرية. وهذه الثروة هي المسؤولة عن تحقيق معجزة التنمية والتقدم. ولأن التعليم منتجٌ للثروة البشرية فهو مهنة مقدسة في نظر الحكومة والشعب. التعليم أولاً ، لكنْ بمعاييرَ منضبطة صارمة ، فلا يقف المدير المسؤول على قمة الجهاز الإداري للمدرسة الابتدائية إلا إذا استوفى شرط الوصول إلى هذه الدرجة بأن يمضى 25 عاماً في مهنة التعليم. ووزارة التربية والتعليم في حكومتها تسمى وزارة التربية وتنمية الموارد البشرية ، ووزيرها ذو مكانة سامية تجعل من الطبيعي أن يكون نائباً لرئيس الوزراء ، وميزانية التعليم أكثر من 20% من ميزانية الدولة السنوية ، ويوجه معظمها إلى التعليم الابتدائي. وفي الصميم من المنهج الدراسي المقرر في المرحلة الابتدائية يتلقى التلاميذ دروساً في: التربية من أجل الأمانة ، ومن أجل الحياة ذات المعنى ، ومن أجل التمتع بالحياة ، والتربية الخلقية ، والتربية الرياضية ، والحِرَف ، والنشاطات اللاصفية.

       تلك مقتطفات ( بتصرف ) من دراسة د.حسن عبدالمعاطي عن التعليم في كوريا الجنوبية ، ضمن ملف شائق عن التجربة الكورية منشور في العدد (164) من مجلة المعرفة - وزارة التربية والتعليم في السعودية - نوفمبر2008م. ولعل قارئه العربي يصاب بالخيبة ابنة عمّ الإحباط القومي ، إذْ يرى منهجية التفكير والتخطيط التي يلتزم بها أولئك في بناء استراتيجياتهم الوطنية والقومية ، في حين يستعيض العرب عنها بترديد مقولات تراثية عن محبة العلم ونورانيته ، ويفاخرون بأنهم أمة اقرأ ، وهم لا يقرؤون!

       إن للدرس الكوري الجنوبي بلاغته الحضارية ، فهو سر التحول من ثالث أفقر دولة إلى ثالث أغنى دولة في آسيا، حد أن انخفضت نسبة الأمية فيها إلى 4% فقط ، وهي نسبة تفضُل النسبة المنجزة في أمريكا.

       ويتساءل د.عبدالمعاطي في خاتمة دراسته : لماذا تقدموا؟ ويجيب بأنهم أحدثوا ثورة في برامج التعليم ، وثورة في فلسفته. فعن أي فلسفة للتعليم تصدر البرامج التي تشتغل عليها وبها وزارات التربية والتعليم المتعاقبة؟ الجواب مربكٌ حد الإحراج الوطني والقومي، إذْ هان التعليم حتى أصبح مهنة من لا مهنة له ، على رغم أنف أحمد شوقي وبيته الشهير الذي يُقال ، وابتسامة هازئة تمحو ملامح وجه قائله:

قُم للمعلِّم وفّهِ التبجيلا      كادَ المعلمُ أن يكونَ رسولا

حتى أصبح مَن ضاقت به سبل التسكين في خانة وظيفيةٍ ما - والسبل تضيق كالزحام - لا يرى غضاضة ولا مضاضة في أن يقول ، من دون أن يرفَّ له جفن اعتذارٍ للمهنة المقدسة في كوريا :( شغّلوني حتى مدرّس )..حتى مدرس!!..كم أنتِ مَهينة ههنا أيتها المهنة المقدسة!. لكن أيجرؤ أحد في كوريا على امتهانها؟ كلا ، فالمدرسون الابتدائيون يُختارون عبر انتقاء أفضل 5% من الخريجين المتفوقين لتدريس المرحلة الابتدائية ، كي يكون أساس التعليم قوياً من البداية.

      بكى صاحبي لما رأى الدربَ دُونَهُ - ومعذرةً لامرئ القيس - لكن أحداً تطوع فابتسم في وجهه ببلاهة وطنية ، وقال: ابتسم، أنت لست في كوريا!.

     وفي لقاء جانبي بزميل من جامعة يمنية ، سألته عن إستراتيجيةٍ ما ، لتحجيم المارد الأخضر ، فلم يبدِ حماسة، وصرف الحديث ، كما هي العادة المجيدة ، إلى السؤال عن البديل ، وأن الهيروين والكوكايين سيكونان الخيار الوطني القادم !! كأن قدر هذا الشعب أن يغيب عن الوعي يومياً ، فيهدر مستقبله ومستقبل أجياله في عبودية أبدية للكيف!!.. وقال ذاك الزميلُ ، في درج الكلام : إن كثيراً من التلاميذ أصبحوا في كراديس التخزين والتدخين ، وووو... وأن المسألة ذات أبعاد ثقافية، وأن على منظمات المجتمع المدني أن تنهض بدورها ، ووووو....

      حسناً ، لكن ثقافة النعامة ، أو الهرب إلى الأمام ، أو الوراء ، أو اجترار ما كان ، هي ما يُنتج تصورات كسيحة ليس لرؤيتها مدى أبعد من الزمن المحصور في ما قبل الساعة السليمانية وما بعدها!!..لكن ، لم يعد للكلام الممضوغ متسع من وقت ، مادامت برامج التعليم منفّرة ، وغير منهجية غالباً، ومعلمو الابتدائية وما بعدها ليسوا مختارين بكفاءة ، والإدارات المدرسية حدّث ولا حرَج - ومعذرةً للأكفاء - وما يزيد الأمر ضِغثاً على إبالة أن لا فلسفةَ واضحةً للتعليم ، فالمدرسة أصبحت مُسئِمة مُمِلّة ، حدّ أن يفرح التلاميذ بالعطل والإجازات ، وربما تمنّى بعضهم عاصفةً أو كارثةً تحول بينه وبين الذهاب إليها. فمتى يرى التلاميذُ المدرسةَ مكاناً للبهجة والمعرفة معاً ، ويتلقَّون فيها الدرس الأول من أجل حياة ذات معنى؟.

    

 


سعيد الجريري



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية