إنساناً ومبدعاً إنسانياً
تابعت خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات أعمال الروائي الكبير، الراحل مؤنس الرزاز. ولم أكن أعرفه آنذاك معرفة شخصية.
كنت قد قرأت له (أحياء في البحر الميت)، (ومتاهة الإعراب)، و(كاتم صوت)، ولمست في كتابته تماسكاً استثنائياً في التعامل مع المادة الروائية، ذكرتني (بواحدة) تيسير سبول الشاعر الروائي الراحل (أنت منذ اليوم) تلك الرواية المباغتة والمدهشة التي أعلنت (التجديد) في الكتابة الروائية الأردنية، وما زالت أصداؤها تدوي إلى اليوم في أدبنا الأردني.
أقول، ذكرتني أعمال الرزاز الأولى برواية تيسير سبول وبدا واضحاً أن جيلاً من كتاب الرواية الأردنيين قد خرجوا من عباءة القديم والنهج المحافظ في كتابة الرواية، وأن ثمة حلاً فاصلاً بات واضحاً ما بين كتاباتهم وكتابات أساتذة الرومانسية التعليمية من أمثال عيسى الناعوري وحسني فريز وغيرهم.
كان (غالب هلسا) الروائي الأردني الكبير ــ وهو من جيل الرواد ــ قد شكل حضوراً عربياً ملفتاً في عالم الكتابة الروائية الفنية الجديدة. وأدركت عندها أن تياراً جديداً قد شرع بالوقوف بتماسك في مجال الكتابة الروائية الأردنية، وتلا ذلك ظهور أعمال جمال ناجي وإبراهيم نصر الله وهاشم غرايبه وزياد قاسم وسميحة خريس وقاسم توفيق وغيرهم ممن أكدوا حياة هذا التيار، وقدرته على الوقوف استناداً إلى مرحلة متوسطة عبرت عن نفسها في أعمال سالم النحاس المبكرة وأمين شنار وفؤاد القسوس وغيرهم.
ثم تتالت أعمال مؤنس الرزاز مع أواسط الثمانينيات حيث تعارفنا وبتنا أصدقاءَ خلصاً إثر عودته إلى الوطن، وقراءته لدراسة تقييمية كنت قد نشرتها حول التجربة الروائية الأردنية وحول أعماله الروائية.
كان مؤنس الرزاز يستفيد من كل الكتابات النقدية التي تتناول تجربته وتجارب الآخرين. ويتوقف عندها باحترام كبير، بغض النظر عما تقوله تلك الدراسات، وعن عمقها أو سطحيتها. ولكنه كان يهتم بكل رؤية ويفكر فيها ويناقش طروحاتها ويعلق: ثمة من يريد من الرواية أن تكون كذلك. ونحن لا نلومهم. والناس يقاومون استيعاب الجديد.
بدأت كتابات مؤنس الرزاز تعكس تحولاً جديداً من حيث شكل المعالجة والموضوعات والمضامين منذ نهاية الثمانينيات.. كانت كتاباته تتركز حول القمع تحديداً، وكان يركز على الفعل ويعري الفاعل، كان يناقش موضوعة الديمقراطية مباشرة، ويفضح جهات القمع التي بات جسد المعارض السياسي ميداناً لها يتفنن بانتهاكه وإذلاله وتحطيم إرادة صاحبة المتفننين، لقد أبدع مؤنس الرزاز في هذا المجال، ووقف جنباً إلى جنب مع عبد الرحمن منيف وطاهر عبد الحكيم وغيرهم ممن أسهموا في تعرية القمع العربي وكشفوا عن الجوهر اللاأخلاقي لفعل القمع المستمد من فلسفة ا لاستبداد السياسي والاستحواذ والتفرد؛ ومصادرة الحق الطبيعي للإنسان بالمشاركة في الحياة العامة لشعبه ومجتمعه.
ولقد تقدم مؤنس الرزاز في مجال معالجة هذه الموضوعة.. لم يعد القمع يشغله كفعل جرمي، بل راح يتوغل لدراسة ما وراء الظاهرة.. بدأت أعماله تكشف عن تعمق جديد.
ولقد ظل هاجس القمع يلاحق الرزاز حتى في آخر ما خطه قلمه. رغم أن كتاباته الأخيرة، بدأت تعكس حساً بشرياً جديداً، وأصبح هاجس (الإنسان) بوصفه بشراً مطلقاً في الزمان والمكان هو المؤرق الرئيس.. هكذا انتهت تجربة الرزاز بالبحث عن الإنسان، والتركيز على الجوهر البشري الكامن فيه قبل أن يخضع لحوسبة الإيديولوجيات.. لقد تعمق في فهم مسألة الوجود والعدم بعيداً عن ذلك اللهاث الثوري المضني الذي تجلى في كتاباته الأولى.
وتعكس أعمال مؤنس الرزاز خطاً بيانياً لمسار تلك التجربة التي انتهت بمحطة (عصابة الوردة الدامية) و(ليلة عسل)، و(الاعترافات الأخيرة) التي كانت تشكل في مجموعها مادة درامية جارحة وعميقة تترجم إحساس الإنسان بوجوده الناقص على حد تعبير (كامي) و(مورافيا) و(سارتر)، وكانت تلك التحولات الملموسة قد بدأت في (قبعتان وراس واحد)، و(جمعه القفاري)، و(فاصلة في آخر السطر)، (سلطان النوم)، و(الشظايا والفسيفساء)وغيرها وغيرها.
في (الشظايا والفسيفساء) كان الرزاز يراوح بين فعل القمع وما ورائياته، وفي (عصابة الوردة الدامية) ركز على ما ورائيات القمع. وفي (ليلة عسل) عبر إلى مسألة الوجود، وأصبح داخل المنطقة تماماً. ولهذا استقبلت تلك الرواية من قبل النقاد بفتور واضح؟!
في (الشظايا والفسيفساء) و(عصابة الوردة الدامية) وحتى في (ليلة عسل)، تنشطر شخوص مؤنس الرزاز في حالة فصام مؤسسية إلى شطرين في البطل الواحد، يؤدي كل منهما رقصة الموت بطريقته. الأول يمارس لعبة (المتاح)، والثاني يمارس لعبة (المنشود)!. الأول يلعب لعبة (الراهن)، والثاني يلعب لعبة (المفترض).. ويتباعد الشطران عن بعضهما إلى حد الافتراق، ويتقاربان تارة أخرى إلى حد التلاحم والاختلاط.
في (الشظايا والفسيفساء)، استجاب نظام السرد لطبيعة العمل في جدلية تؤكد ترابطية الشكل بالمضمون. وهكذا تحطم نظام الزمن الروائي!. أما في (ليلة عسل) فكان إيقاع القص طبيعياً وهادئاً بما يتناسب مع الموضوع وطبائع الأبطال...
مؤنس الرزاز في الحياة ــ أقصد في حياته ــ هو كل ذلك في آن.. في اللحظة الواحدة يتعارك في داخله رجال عدة. لكنهم جميعاً طيبون. وليس فيهم شرير واحد.. إنهم يختلفون على تشخيص الأفضل والإنساني والصواب والأكثر بشرية.. وهم يتوزعون على مسافة واسعة تبدأ من الرقص في المتاح والممكن، وتنتهي بالشراسة المبدئية التي لا تمتلك أية مرونة أو أية نظرة نسبية للحقيقة.. وفي جميع الحالات فإن تلك المسافة التي أشرنا إليها تظل مساحة طاهرة لا عيب فيها، وتلك تجربة مؤنس الحياتية مع أصدقائه ورفاقه وزملائه.
عام 1989 كنت خارجاً للتو من السجن. زارني. قال لي: نحن القوميين سقطنا عن ظهر جمل وتكسرت أضلاعنا. كنا نمتلك مشروعاً متواضعاً بسعة مساحة الوطن العربي ــ أقصد فقط من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ــ أما أنتم، فكان الله بعونكم!. لقد سقطتم من طائرة. وكان مشروعكم الأممي بحجم العالم في قاراته الخمس.. هل وصلتم إلى الأرض أو أنكم مازلتم تشعرون بأنكم في طريقكم إلى الهاوية؟
قلت لقد وصلنا، وهاهي بيروسترويكا غورباتشوف تطحن ما تبقى من عظامنا، وتدق لحومنا في أجران وطواحين طلائع العولمة الرأسمالية.
مؤنس أفضل من يعبر عن الدمارات العامة والخاصة، وأروع من يواجه حالات الانهيار بالتهكم الجارح.. إنه يرقص بطريقته دائماً. وهو أفضل من يتعامل مع الفرح!. كولد صغير كان يستخفه الطرب والمرح فيستثمر اللقطة البشرية دونما تهيب، ويرفع عقيرته بالغناء بصوته السيئ، ويشرع بالرقص مغادراً أي وقار أمام أصدقائه ومحبيه..
كنا نعرف أنه إنما يرقص على جراح وعيه وإحساسه العميق بنكبة الإنسان والإنسان العربي!. مثلنا جميعاً. لكنه كان يتميز عنا بأنه كان يرقص!. يرقص فوق دمار داخلي نراه جميعاً! ولكنه كان يقف تحديداً فوق كومة الرماد.. نحاول زحزحته عن هذا الموقع، فيصر عليه رغم أنه كان يشعر بسعادة وهو يشاركني الضحك والعمل السياسي غير المقنع!.
مؤنس كان مبادراً، وكان رائعاً في مبادراته لخدمة الأصدقاء سواء أكان يفهم ما يبادر إليه أم لا يفهم.. وبالمناسبة، فإن (مؤنس) لم يكن يفهم في الوظيفة الحكومية إطلاقاً، ولم يكن يعرف أنه موظف بعقد أو مصنف ــ على سبيل المثال ــ ولا يعرف الفرق بين الدرجات! وأي درجة هي أفضل من الأخرى، رغم أنه كان يعمل بوظيفة مستشار لوزير الثقافة.
حين عدت إلى الخدمة الحكومية بعد ست سنوات، وإثر عودة الحياة النيابية إلى البلاد، قادني مؤنس إلى مكتب الوزير بقصد (دعمي)!. هتف بصوته الجهوري: الدكتور تحمل منكم ما لا يحتمل، أعطوه درجة مليحة! ما الدرجات التي عندكم؟ ضحكوا وقالوا: كل الدرجات على حسابك يا أبا منيف! من العاشرة إلى الأولى ــ كانوا يعرفون أنه يجهل هذه الأمور فأخذوه على قدر معرفته!!
هتف مؤنس بكل ثقة: أعطوه الدرجة العاشرة!!
وقعوا من الضحك!! ــ أدرك مؤنس جهله..
قال: ما الدرجة الأفضل من العاشرة؟
قالوا: الأولى.
قال: أعطوه الأولى.
لم يكن يعرف بأنني ينبغي أن أعود إلى درجتي التي كنت قد عزلت منها قبل ست سنوات.
كان مؤنس متفرغاً تماماً لقضيته؛ الأمر الذي جعله أمياً في غيرها؛ وكانت الكتابة قضية مؤنس، يكتب بغزارة وعمق وحرفية، ويتقدم إلى الأمام في كل عمل روائي جديد..
عاتبني كثيراً لأنني أعطيته رقم هاتفي الجديد في إربد (خطأ).
قال: اتصلت بك مئة مرة، وفي كل مرة يأتيني الرد بأن هذا الرقم غير صحيح..
حين نظرت في الرقم المسجل لديه وجدته صحيحاً، فتبادر إلى ذهني ما ينبغي أن يتبادر في تعاملي مع مؤنس تحديداً!.
سألته هل تعرف مفتاح إربد؟ قال: وهل لأربد مفتاح؟ قلت كنت تبدأ بصفر اثنين؟. ضحكنا، وتذكرنا غرائبيته الأكثر خرافة حينما اتصل بزوجتي طالباً إليها أن ترسل إليه جواز سفري ليؤمن لي (فيزا) إلى المغرب للانضمام إلى وفد رابطة الكتاب الأردنيين في مؤتمر الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في الدار البيضاء وكان مؤنس رئيساً للرابطة..
قال مؤنس أرسلي جواز سفره لكي أؤمن له (الفيزا) إلى المغرب؛ لأنه سيعود من تونس يوم الخميس، وسيسافر الوفد يوم السبت.
قالت له زوجتي: أنت تعرف إذن أنه الآن في تونس. قال: نعم أعرف وأخشى ألا يكون لديه الوقت الكافي لتأمين (الفيزا) إلى المغرب عندما يعود من السفر!!
قالت.. وكيف يمكن أن يكون في تونس وجواز سفره هنا في البيت.. إنه يحمل الآن جواز سفره، وقد أخذ (الفيزا) مسبقاً من السفارة المغربية, لا تقلق يا أبا منيف.. ضرب مؤنس جبهته، واعتذر عن غبائه! وحدثني عن زيارته إلى الولايات المتحدة ومكالمته مع شقيقه الدكتور عمر منذ أن هبط أرض المطار! وكيف رد عليه (الآنصر مشين) معتذراً عن عدم وجود الدكتور عمر، ومحاولته إفهام السيدة، غير أنها مضت ــ أيضاً ــ بالاعتذار عن عدم وجود الدكتور عمر، وطلبت إلى المتصل تسجيل رسالة صوتية ووضع رقمه وعنوانه!!. وعندما عدت ليلة الخميس، قالت زوجتي: إن مؤنس لم يعد يجمِّع؟!
قلت ماذا فعل؟
سردت علي القصة..
قلت: كان قلقاً بشأن وضعي وسفري، وهو حريص على أن أكون ضمن الوفد، وأكيد أنه كان غارقاً في كتابة عمل جديد..
وحين سألته عن سبب شروده وتوزعه، دفع إلي بمخطوطة روايته الجديدة (عصابة الوردة الدامية).
كان مؤنس مقتنعاً بأنه ــ في الحد الأقصى ــ يمكن أن يتعامل مع المذياع بسبب وجود مفتاح واحد ومؤشر يتحرك بين رقمين.
أما التلفاز، فلم يكن يعرف كيف يتوصل إلى هذه المحطة أو تلك. أما (الفاكس) فقد عرف مؤنس مهمة هذا الجهاز مؤخراً حين نصحه أحد الأصدقاء بإرسال مقالته اليومية إلى صحيفة (الرأي) عن طريق الفاكس. وإنه لا داعي للذهاب يومياً من وزارة الثقافة إلى صحيفة الرأي لهذا الغرض.
قالوا له: بمقدورك إرسال مقالتك عن طريق الفاكس.. لم يسأل مؤنس عن الطريقة، استدعى المراسل فقط وقال له: اذهب إلى السيدة (سهير التل) وقال لها ــ بحكم كونها ابنة عائلة أرستقراطية وتتقن التعامل مع التكنولوجيا ــ أرسلي هذه المادة إلى الرأي.
ذهب المراسل المسكين.
بعد قليل عاد وهو يحمل المقال معه.
استغرب مؤنس، وحاول أن يثبت أنه ليس مغفلاً، فصاح بالمراسل!
يا رجل. قلت لك أرسله بالفاكس.
فرد المراسل: لقد أرسل بالفاكس يا بيك.
قال مؤنس: تريد أن تقنعني بأنه أرسل بالفاكس..
ثم توقف وفكر: كنت أعتقد أن الأوراق تطير مع الأسلاك!.
لم يدخل مؤنس عصر اللاسلكي، ولم يتعامل مع قنوات الاتصال التي جادت بها ثورة العولمة التي تسعى إلى توحيد هذا العالم؟؟ كان فقط يشعر بمتعة المعرفة عن طريق قناة معرفية كلاسيكية واحدة، وهي الكتاب. ومؤنس قارئ من الدرجة الأولى.. وكنت أشعر بأنني أكثر مهووس أردني بالقراءة، وإنه لا يوجد هناك من لديه الاستعداد لتقبل تدهور نظره دون أن يقدر على مقاومة القراءة أكثر مني؛ لكن (مؤنس) أثبت لي أنه مهووس، وأن مقاومته للقراءة أضعف من مقاومتي..
ثمة تجربة إنسانية مشتركة لا بد أن أذكرها وكانت بالاشتراك مع مؤنس، وهي تجربة (الحزب العربي الديمقراطي).
فقد سقط مؤنس ورفاقه عن (ظهر جمل)، وسقطنا نحن عن (متن طائرة).. تحطمت أضلاعنا جميعاً.. وبسبب ما لحق بنا ــ كديمقراطيين ومثقفين ــ من انتهاك مزدوج من أحزابنا المتجهمة وحكوماتنا الحنونة، مما دفع بنا أخيراً بعد تلك الرحلة المضنية ــ إلى أن نصبح خارج أحزابنا، فقد التقينا..
ومع ترخيص الأحزاب السياسية؛ كان لا بد من محطة راحة سيكولوجية فيما يبدو، ومن حزب معتدل يجمعنا. وأخيراً اتفقنا على الاسم: (الحزب العربي الديمقراطي)..
تناقشنا على (العربي) كثيراً ووقف القوميون القدامى في مواجهة الأمميين.. وعلى (الديمقراطي) أكثر.. وأخيراً اتفقنا.. لم يكن بمقدورنا أن نرخص حزباً باسم (حزب المقاطيع) أو (حزب مكسوري الخاطر) كما كنت اقترح.. وكبرت الفكرة.. وكبر الحزب، وتحول إلى محطة استرخاء للعديد من الأدباء والكتاب والفنانين والمثقفين الديمقراطيين وحاملي هموم الوعي والتقدم..
واستطاع اثنان من رفاق الحزب الوصول إلى مجلس النواب، ثم إلى الحكومة.. وأصبح أحدهما وزيرنا بعد أن قمنا بفصلهما من الحزب لقبولهما الاشتراك في الحكومة.
كنت أجلس في مكتب معالي الوزير، رفيقنا الذي مازلت أكن له الحب وأفهمه جيداً، وفجأة، رن جرس الهاتف. رفع الوزير السماعة، فجاء صوت مؤنس: أتريد إذلالي؟ أتصدق نفسك أنك مسؤول عن لقمتي؟ سوف تصلك استقالتي بعد قليل!.
استمتعت إلى المكالمة تماماً، وتألمت لأن (مؤنس) فهم رسالة الوزير معكوسة!! صمت معاليه، وصمتُّ!. قال لي هل سمعت بأذنك؟ أرسلت له نسخة من كلمتي التي سألقيها في احتفال اليوم ليبدي رأيه فيها. لست بحاجة إلى رأيه ــ أنت تعلم بأنني لست قاصراً، ولست بحاجة إلى مشورته، ولكنني أريد أن أؤكد له استمرار الود بيننا.. وها أنت تسمع ما يقول..
قلت: إهدأ، سأوضح له الأمر الآن. مؤنس نقي، وسيتفهم..
وقد تفهم مؤنس الأمر بالفعل، وضرب على جبهته، وقال: سأتولى تصحيح الخطأ بنفسي. اتركني أعترف كالرجال، ولا تضعفني أنت الآخر..
وكما يفعل الرجال الكبار تصرف مؤنس، ولم يكن الوزير أقل من مؤنس رجولة وامتلاء بالحس التقدمي الراقي..
وأنتم تعرفون (مؤنس)!. ولكن أكيد أنكم تتساءلون عمن كان وزيرنا في تلك المرحلة؟! أشعر أنه يستحق أن أعلن عن اسمه، إنه المهندس سمير حباشنة، الذي شاركنا رحلة المرار والحلم والطموح والسجون والملاحقة والوعي والفجيعة.. وصدمة الارتداد المنكسر والخجول إلى الذات الجريحة المدماة!!
أحصينا خسائرنا فوجدنا ذواتنا الإنسانية فقط في جهة، والخسائر.. الخسائر فقط في الجهة الأخرى.. كلها خسائر.. وراح كل منا يواصل درب آلامه، ويصعد جلجلة حطام الحلم المنهار كمقاتل فردي.. يخوض معركة الدفاع عن أثينا بالنيابة عن كل فلول الممالك المدينية.. ورأينا قمبيز المجنون يمزق ثيابه أمام ثباتنا، ويثبت مقبض سيفه على صخرة، ويلقي بجسده الجبار صوب السيف فيخرج من ظهره.. فيما يمتد أمامنا سهل مراثون فترى وراءه قارات العالم الخمس.. ونجونا في النهاية.. بعضنا فقد قبيلته الحزب، وواصل الرحلة من غير قبيلة.. وبعضنا تفقد قبيلته الغائبة التي استبدل بها ذات يوم حزباً سياسياً!! وعاد محاولاً الانتماء إليها والارتماء في دفئها.. خلعاء بتنا، تنكر وجوهنا القبائل، ويحمل كل منا هدر دمه في جيبه تلاحقه لعنات باباوات محاكم التفتيش.. وآخرون يحملون صكوك الغفران!! نتأبط شرورنا التي ترهب السلطات المرعوبة، ليكتشفوا أنها ليست أكثر من أوراق موجهة إلى أميين لا يتقنون القراءة..
أنا أتحدث هنا عن محنة جيل، وليس عن مأساة مؤنس الرزاز، الذي قضى حياته هازئاً بعموم عشائر (الرزايزة)، المكونين من ثلاثة أو أربعة رجال كما كنا نعرف، رغم أن جنازته أثبتت أنه ابن أكبر عشيرة في الأردن.. ابن عشيرة الواعين الذين لم يوثقوا شجرة حمولتهم بعد.. حيث تداخلت العشائر بالأحزاب والأحزاب بالعشائر، وبقينا ننكر تلك اللعبة إلى أن اجتاحتنا موجة (وحدة) الأحزاب المتقاربة, وجدنا أن الذين شردونا من أحزابنا القديمة بسبب عزوفنا عن رفقتهم باتوا معنا في الحزب..
كان مؤنس أميناً عاماً لحزب (مكسوري الخاطر)، وحينما رأينا مَنْ شرودنا من محترفي العمل السياسي ينضمون إلينا، غادرنا المؤتمر وانتخبونا (غيابياً) ــ أقصد إجبارياً ــ أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الجديد حيث كانوا يقرون على الاتجار بأسمائنا وبتاريخنا!! صدقوني أنني لا أعرف الآن ما الاسم الرسمي للحزب الذي تركته! ومَنْ من الرفاق بقي فيه..
هذا هو مؤنس الرزاز.. بحار جسور.. مغامر يؤمن بأن ثمة من هو أقوى من البحر وأشد من الرحلة وأشرس من العاصفة وأمتن من الشراع والإنسان.. كان مؤنس كذلك إلى أن كسره الموت..
دعوني أبح لكم بموت مؤنس: لقد ابتلع مؤنس (لسانه الصغير) الذي مده في وجه العالم الكبير، فاختنق بلسانه! شهق مؤنس عدة شهقات!. حاول المقاومة.. لكنه انكسر أخيراً واختنق، وتركنا نواصل رحلة العطن، ونتابع لعبة التوازنات التي لعبها مؤنس معنا، لكن روافعنا ودعائمنا ومرتكزاتنا تبدو ضعيفة أمام إرادة مسؤولنا الأمي، فنضطر إلى أن نكون أكثر انتهازية من مؤنس، ونطيل من أعمارنا ما أمكن..
الموقف الأدبي









