التعليم العالي
إبـداعٌ أَم ذاكِرة ؟!
د. سعيد الجريري
ليس التعليم العالي ورشةً لتخريج كَسَبةٍ يقفون على(( باب الله )) مطلعَ كل نهار ، في سُوقٍ يكثر فيه الهرجُ والمرجُ ، وإن لا ، فليست بالدول حاجةٌ إلى أن تُنفق المليارات من عَرَق دافعي الضرائب ودمائهم، على الجامعات .. لكنَّ المسألة جدُّ خطيرة، و جدُّ عميقة، وينبغي أن يُنظر إليها من زوايا وأبعادٍ مختلفة ، منفتحة على آفاقٍ وأمداء مفتوحة . فالجامعة - أيّ جامعة- إن لم يكن في تصوُّر تأسيسها واستراتيجية نظامها أن تُؤسس ثقافةَ إبداعٍ تُنشئ عقولاً مقتدرةً على مواجهة التحديات الحضارية ، هي جامعةٌ منقوصةُ الصفة، مجروحةُ الشهادة ، أو هي جامعةٌ من ورق ، إن جاز لنا استعارة عبارة ( رولان بارت ) عن المؤلف الذي يقال بموته ، في هذا السياق.
لقد أتى على الجامعات العربية حينٌ من الدهر- بفعل عواملَ مختلفة -غدت فيه وظيفتُها المهيمنة إشاعةَ نمطِ تعليمٍ تلقينيٍّ غيرِ إبداعيّ ، مرجعيتُه ثقافةُ الحفظ والاستظهار ، التي لا تخلق إلا عقلاً (دوجماطيقياً)أحاديَّ الرؤيةِ مُستلَباً، في الغالب ، وهو نقيضُ العقل المبدِع المفتوح ،إذ التعليم والعلم ليسا مطلبين اجتماعيين في البلدان العربية ، ولأنهما كذلك فليس مصادفة أن يكون التلقين سمة ملازمة للتعليم من المرحلة الأساسية حتى الجامعة ، وتخلو مناهج ومقررات التدريس من أية قيمة وتربية جمالية ومن هامش للتفكير الحر و ممارسة الحرية ، فمؤسسات التعليم مراكز للتدجين والترويض وصوغ ذهنية ونفسية العبد والأمَة بحسب الدكتور أبوبكر السقاف.
إنّ ثقافة التلقين والذاكرة تجني على المعنى الاستراتيجي للجامعة ،أداءً ووظيفةً . ولعل مستوًى ما من مستويات هيمنة هذه الثقافة ، أسهمَ – بشكلٍ ما – في التمدُّد غير المنطقيّ ، وغير المنهجيّ ، للجامعات ( المستنسَخة !!) ، حكوميةً وغيرَ حكومية ، ههنا – ويبدو أنه لن يتوقف في المدى المنظور - إذ الأمرُ لا يقتضي في عُرف ذوي القرار ( وهو صدى لتكتيكات آنيّة ) ، سوى تحقيقِ حدٍّ ما من حدود (ثلاثية : التلقين-التذكُّر-الذكاء) ، وعندئذٍ تكون الجامعة – أيّ جامعة منها- قد استوفت ، كما استوفى الطالب ، شروطَ منح الشهادة ؛ شهادة إضافةِ عقلٍ ( دوجماطيقيّ ) إلى مجتمع ينتظر من جامعته رسالةً أخرى ، ترفدُهُ بعقول مبدِعة قادرة على تكوين علاقات جديدة مُمنهَجة من أجل تغيير الواقع ، بحسب تعريف الدكتور مراد وهبة للإبداع .
إنَّ خطورة ثقافة الذاكرة تكمن في إنتاجها طاقات مُدمِّرة لِذاتها وللآخرين - كما تلحُّ الدكتورة منى أبو سنّة - فمن بَدَهيّات علاقة تلك الطاقات بمن حولها تبنِّيها الإقصاءَ عنواناً رئيساً يضبط تلك العلاقة وهي محكومة، أينَما كانت ، بسلطة التذكُّر والاسترجاع ، لَكأنَّها تقول مع أفلاطون ( العِلمُ تذكُّرٌ والجهلُ نسيان )، وليس شيئاً سوى ذلك ، أو فوقه أو تحته ، ولا قبلَهُ ولا بعدَه ! .
وبعيداً عن غُبار العموميات ، أتساءلُ مُحِبّاً ، قلِقاً ، محتجّاً ، مستصرِخاً، متفائلاً غيرَ متشائمٍ ، أو لعلِّي متشائلٌ – بتعبير إميل حبيبي في (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل ) : أما آنَ لثقافةِ الذاكرة أن تُرَدَّ ، وتُستَوقَف على عتبات الجامعات ، فيغدو ، في ذِمَّة التاريخ ،قولُنا :(( إنَّ التعليم ليس سوى تلقين الحقيقة من جانب المعلم ، وتذكُّر الحقيقة من جانب الطالب))!! ، فيُعفى طالب الجامعة ، عندئذٍ، من اختبارات التذكُّر والاسترجاع ، وتتجلى شخصيته العلمية في اختبارات الإبداع وفضاءاته، بعيداً عن المفهوم (الشعبي) الشائع الذي يقرن كلمة الإبداع -بتأثيرٍ من ثقافة الذاكرة المهيمنة – بالفنون والآداب حصراً .
ليست المسألةُ أُمنيةً خاصة ، ولا هي ضِغثاً من أضغاثِ الأحلام ، ولكنها حجَرٌ – من أحجار كثيرة متعددة - نَرميه في ماء راكد ، لعلَّ له اندياحاً يشمل عقول الغـد بعناية ٍ ما ، تُعيد للتعليم الجامعي سِمَتَهُ الأولى( الإبداع ) ، وتُحرِّره من هيمنةٍ طارئةٍ على جَوهرِهِ ، مدارُها ( الذاكرةُ ) فـ( الذاكرةُ ) ثُمَّ ( الذاكرة ) !! . فهل مِن صَـدى ؟ .
في المدى المنظور جعجعةٌ ولا طِحن... وبعضٌ من تفاؤل مشوب بغبار وعجاج ودخان.








