حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
أحمد جعفر الحبشي بلون الماء

 

مات ليولد*

 

                                                              أحمد جعفر الحبشي

لم تشفع له لباقته في جذب الشباب نحو الانخراط في جمعيته الخيرية.. لقد أدرك فتوراً بارداً ينتاب محدثيه عند الحديث عن التطوع ، مستوعباً ماتنشده تلك الأفواه المتثائبة . نظرات زوجته المتكررة – وإن كانت مناصرته الأولى- وصرخاتُ طفله الرضيع وملاحقة كلمات المجتمع المناهضة للعمل الطوعي أجبرته على إعادة حساباته .

لم يتوقع في أحلك المواقف شؤماً أن تكون النهاية كالتي سيقدم عليها . واستفرد بنفسه الضائعة مابين نشوة المبادئ الجميلة ومراراة قراره الذي لامناص منه ، توقف - لبرهة  - حبل أفكاره برنات هاتفه المتصاعدة . إنه رفيق الطفولة العائد من بلد الاغتراب ، ثمة بارق أمل انبجس من وسط أفكاره المشوبة بالحيرة والأسى عائداً به إلى شَهدِ مبادئه التي طالما راهن على ولادتها واقعا في مجتمعه.

لم تُجدِ خبرته ومن خلال ثلاث ساعات نحو المطار في أن يجد مدخلاً مناسباً لطرح الموضوع على ضيفه ، بدأ ذلك البارق بالانحسار .. ليترك المجال لمشاعر الطفولة التي مالبثت هي الأخرى أن تبددت بلحظات الاستقبال ، فلقد تغير كثيراً ، زيُّه .. ملامحه .. واختفت عنه ابتسامة التواضع التي طالما عُرِفَ بها . عانقه على عجلةٍ من أمره وساق حقائبه نحو العربة ، ليترك الحديث له من خلال ساعات العودة مسترسلاً في وصف صفقاته المالية ، ليقاطعه بسؤالٍ عفوي :

-         مارأيك بالعمل الطوعي ؟

ارتسمت على ملامحه علامة تعجبٍ كبيرةٍ ألحقها بكلمات باللغة الإنجليزية :

-         تايم إز بيزنيس !

لم يُسمَع بعدها سوى صوت أزيز المكيف ليزيد من شدته . يبدو أنه اتخذ قراره ، هدّأ من السرعة ملتفتاً يمنةً ويسرة ليقف جانبا ً :

-         مارأيك بكأس من الليمون ؟

-         أوكيه .. على حسابك .

حاول أن يتناسى مايشغل فكره من خلال استعادة ذكريات الطفولة بداخل المشرب المكتظ بالزبائن . استرعى اهتمامه رجلٌ عجوزٌ يناهز الثمانين وهو يغُد بين خطواته القصيرة مقاوماً احدوداب ظهره لتقديم خدمات الزبائن . لوّح بإصبعيه – السبابة والتي تليها – وأردف بصوت خافت :

-         ليمون لو سمحت .

دنا ضيفه من إحدى أذنيه هامسا ً :

-         أ ُدرك ما الذي يسترعي اهتمامك .. العجوز ، ألم أقل لك ياعزيزي !

وأعقبها بابتسامة ساخرة .لم يمتلك حينها إجابة ً فأخذ نفساً عميقاًَ ، وعادت فترة صمتٍ أخرى اخترقتها كلمات ضيفه الجارحة نحو العجوز قبل أن يتجه نحوه شادا ً إياه من ظهره ، وكاد أن يهوي عليه بكفه لولا أن وقعت عيناه على بطاقةٍ معلقةٍ على صدر العجوز وقد فضّ بينهما صديقه لتقع عيناه هو الآخر على تلك البطاقة وقد كُتِبَ عليها بخطٍ واضحٍ عريض " متــطـوّع " ثم كُتٍبَ تحتها :

" يرجى الكلام بوضوح عند مخاطبته ".

 

قَبّل الصديق رأس العجوز معتذراً بالنيابة داساً قيمة كأسي الليمون في إحدى يديه ، ولحق بضيفه – المنسحب – بابتسامة عريضة .

من مجموعة قصصية عنوانها ( بلون الماء ) تصدر قريباً * 


أحمد جعفر الحبشي



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية