الهرب من معرض باريس للكتاب!
إلياس خوري
لم يكن أمام المؤسسات الثقافية الرسمية العربية سوى الهرب من معرض باريس للكتاب، الذي يحتفل بالذكرى الستين لتأسيس الدولة العبرية، عبر دعوة جميع أدباء إسرائيل تقريبا، باستثناء بعض الأقلام النبيلة كشمعون بلاص واسحق لاهور وغيرهما.
هذا الهرب العربي الشامل، عبر مقاطعة المعرض، كان للأسف الشديد هو الجواب الوحيد الممكن، أمام صفاقة فكرة أن تكون إسرائيل ضيف الشرف، في يوم نكبة الشعب الفلسطيني، ووسط بحر الدم في غزة.
لكنه كان جواب العاجزين. المؤسسات الرسمية العربية تعرف أنها عاجزة عن استخدام منبر معرض الكتاب الفرنسي من اجل شن هجوم ثقافي شامل، يمتد من قانا إلى غزة، ومن دير ياسين إلى اللد، ويحاكم التطهير العرقي الإسرائيلي لفلسطين.بدل أن ننطلق من الانجاز التاريخي الحاسم الذي قدّمه كتاب ألان بابيه الرائع "التطهير العرقي في فلسطين" (نشرت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في بيروت ترجمته إلى العربية)، الذي كشف الحقيقة الدموية والعنصرية التي تأسس عليها الكيان الإسرائيلي، نهرب من المواجهة، ولا نقوم بواجبنا في تقديم حقيقة أن النكبة مستمرة ومتواصلة منذ ستين عاما.
من المؤسف أن لبنان لم يبادر إلى القيام بدوره الثقافي المنتظر في هذا السياق. حجم الضغوط السياسية الداخلية، والاصطدام بلا مبالاة الدول العربية، جعلا من مسألة المقاطعة أمراً شبه بديهي.
انتهى العرب في الغياب الذي سيمر من دون أن يلاحظه احد، كأن الثقافة العربية، وخصوصا في فلسطين ولبنان، قررت أن تتناسى تفوقها الأخلاقي، وان لا تشارك في إحدى معارك الدفاع عن قيمها والتزامها قضيتي العدالة والسلام.
تعالوا نتخيل المشهد بطريقة مختلفة: شهر ثقافي من اجل فلسطين، في الذكرى الستين للنكبة، على هامش معرض الكتاب الفرنسي في باريس. حشد من الأدباء والشعراء الفلسطينيين واللبنانيين والعرب، إلى جانب مجموعة من كبار المثقفين الإسرائيليين واليهود المعادين للصهيونية، قراءات وعروض مسرحية وسينمائية، معارض صور، شهادات من الأسرى في السجون الإسرائيلية، صور وحكايات من جميع القرى الفلسطينية المدمرة، مجازر قانا وحولا في الجنوب اللبناني، وجنين وغزة في فلسطين. وكلام عقلاني عن مفهومي السلام والعدالة ورفض العنصرية، إضافة إلى شهادات العديد من الجنود الإسرائيليين الذين سُجنوا لأنهم رفضوا الخدمة العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى آخره... وهذه الـ إلى آخره قد تكون هي الأهم، وخصوصا إذا استطعنا حشد كتّاب من العالم، البرتغالي ساراماغو والجنوب أفريقي برايتن برايتنباخ والأميركي راسل بانك، والكولومبي غارثيا ماركيز، والنيجيري وول سوينكا...
لو تنبهت إحدى المؤسسات الثقافية العربية إلى هذا الاحتمال، لكانت حققت أهم حدث ثقافي في العالم حول النكبة الفلسطينية.
كما ترون، فالمسألة كانت في حاجة إلى بعض الخيال والقليل من الإمكانات المادية التي يهدرها العرب على كل شيء وأي شيء. وأنا هنا لا أتكلم عن إمكانات دول النفط ودويلاته، فهذا المال كان وسيبقى خارج معادلة أي فعل نضالي وأخلاقي منتج، بل أتكلم عن المال القليل الذي يستطيع الفلسطينيون واللبنانيون جمعه، من اجل توظيفه في الثقافة.
قلت ان المسألة تحتاج إلى بعض الخيال والإمكانات، التي يمكن تدبيرها بطريقة او بأخرى، لكنها في الواقع تحتاج إلى كثير من الشجاعة، وهذا ما باتت الثقافة العربية تفتقر اليه. وهنا يقع بيت القصيد.
على الثقافة العربية أن تقاتل على جبهتين:
الجبهة الخارجية حيث يشكل النفوذ الصهيوني في الثقافة والإعلام الغربيين أداة قهر وتعمية. صحيح أن الثقافة العربية نجحت في تحقيق اختراقات مهمة، وكسرت الصورة النمطية التي روّجتها الصهيونية أعواما طويلة، غير أن المعركة مستمرة ومتجددة، وخصوصا بعد رواج الأفكار العصابية عن العرب والإسلام بعد الحادي عشر من أيلول الدموي في نيويورك.
والجبهة الداخلية، حيث تعيش الحياة الثقافية العربية بين تيارين: التيار الليبيرالي الجديد، الذي صار مجرد صدى للخطاب الاستشراقي، الذي يدعو العرب الى الاستسلام بلا شروط، وقبول المهانة والانحلال، والتيارات الأصولية التي تغذّيها بعض أصوات العلمانية المحبطة، بحيث يجري إعادة الثقافة العربية الى خطاب قومجي إسلاموي ماضوي بلا أفق.
بين المزايدات والمواقف الانتهازية صار التفكير العقلاني تهمة، وصارت مواجهة الفكر الصهيوني العنصري بفكر تنويري مشكلة، ولم يعد أمام الثقافة العربية سوى السكوت. فبين هستيريا الكراهية لكل ما هو عربي ومسلم، وهستيريا رد الفعل الذي يتبنى اتهامات المحافظين الجدد، لم يعد هناك من إمكان للمواجهة سوى على طريقة معرض باريس للكتاب، أي عبر الغياب.
غياب العرب والفلسطينيين هو الهدف الإسرائيلي بامتياز. فإسرائيل تأسست على فكرة "أرض بلا شعب"، والثقافة الصهيونية هي ثقافة تغييب الآخر في إطار محوه عن الخريطة. لذا سوف يجد الكتّاب الإسرائيليون أنفسهم يحتفلون في باريس بلا منغّصات حقيقية، وسوف يغيب صوت الضحية وسط تغرغر الجلاّد بخوفه الكاذب وتنعّجه المشهدي أمام الجمهور الفرنسي.
لا أريد أن يساء فهمي، فأنا لا أدعو إلى حوار أمام الدم في غزة، بل أدعو إلى المواجهة. إن قوة الثقافة العلمانية العربية هي في قدرتها على ان تكون نقدية ومواجهة وأصيلة في الآن نفسه. وهذا ما نحتاجه اليوم. نحتاج إلى أصوات كتّاب من قامة أدمون المالح ومناضلين مع إبراهيم السرفاتي، ومبدئيين مثل اسحق لاهور وشمعون بلاص، وأخلاقيين من طينة آيلان بابيه، كي نصدّ الرقصة الدموية الإسرائيلية في فلسطين.
لذا كانت المقاطعة خطأ، وعذرنا أننا لم نكن نستطيع غير ذلك، أقبح من الذنب. فنحن قادرون شرط أن نمزّق حجاب الخوف، ونستعيد لغتنا.
(عن الملحق الثقافي للنهار)









