حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
طرافة الفكرة وأناقة التعبير في ديوان ( أيام السنة ) للشاعر حسين علي باهارون

طرافة الفكرة وأناقة التعبير

في ديوان ( أيام السنة )

للشاعر حسين علي باهارون*

 

                                                                  د.سعيد الجريري

(1)

في هذا الديوان طرافةُ وأناقة؛ طرافةُ في الفكرة وأناقةُ في التعبير. وكلا الصفتين أدنى إلى ديوان شعر وجداني مُوَقّع ليُغَنّى, ويتداوله العاشقون. غير أن لهاتين الصفتين خصوصيةٌ ما، لعل من تجلياتها أن في الديوان روحاً ضاجاَ بالشباب، لا يتكئ على تجارب منجزة أو حِكم عتيقة. إن التجربة، والمفردة، والعبارة، والصورة، تُرسَل طازجةً، كأنها قلب العاشق.

ولئن دَرَجَ شعراء الأغنية المعاصرون في حضرموت على احتذاء طرائق وأساليب كالتي تفنن فيها الرائعان حداد بن حسن الكاف، وحسين أبوبكر المحضار ومن شاكلهما، فغدوا  أشبه بمن ينوّع على تلك الطرائق والأساليب في تشكيل النص المُغَنّى وبنائه، فإن منشئ هذا الديوان الشاعر حسين علي باهارون من جيل فتي لا يدّعي خروجاً جميلاً مباركاً فيه على تلك الطرائق والأساليب بكيفيات مختلفة فكرةً وتعبيراً، ولكنه يحاول أن يعيش زمنه، ولغته، وتصوراته، وتجربته هو، دونما انبتات عن الجذور والنسوغ البهية. هل أذكر، هنا، الشاعرين عبدالقادر محمد الكاف، وسعيد محمد بن طاهر باوزير؟.

إن حسين باهارون هذا الصوت الطالع من أعماق النّفّس الساحلي المفتوح على محيط لا تُحد آفاقه، يتخلق بثباتٍ، متمكناً من أدواته التعبيرية والجمالية، وحاسته في التقاط المواقف والتعبير عنها. إنه مفاجأة، لجمهور الأغنية، جميلةٌ، لا تكتفي بإدهاشنا وإمتاعنا، ولكنها تَعِدُنا بشاعرٍ أجملَ ننتظره في أعماله القادمة. ولعل من مخايل ذلك الوعد أن كل نص من نصوص هذا الديوان لا يشبه إلاّ نفسه، وليس فيه تعكّز على صورة هنا أو هناك، أو ميل على هذا الشاعر أو ذاك، فلا نكاد نلمح الشعراء الذين نهل من مناهلهم إلاّ كَرجعٍ بعيدٍ..بعيد.

  

   (2) 

اختار الشاعر "أيام السنة" عنواناً للديوان، وبدأه بنص عنوانه " أول أيام السنة"، وخَتَمَهُ بنص عنوانه " في آخر أيام السنة" وبين النصين الأول والأخير نصوص مذيلة بتواريخ مختلفة بين 1994 و2006م ومدن مختلفة أيضاً: جدة-الرياض-تونس-المكلا-الحامي-عدن-روما-صنعاء.

وإذا كانت لتلك الإشارات الزمانية والمكانية من دلالة تفيد في الكتابة عن الشاعر ورحلاته في الزمان والمكان، وأثر البيئة في تكوينه، وتجربته –وهي ليست مما يعنينا هنا- فإنها تضئ دلالة "السنة" غير المرجعية في العنوان الرئيس، فلا هي السنة الميلادية ولا الهجرية، ولكنها سنة الحب، والعشق، والإحساس الجميل، والشعر والإبداع.

وبَدَهيٌ ألاّ تكون أيامها أيام السنة المألوفة، ولا أسابيعها ولا شهورها. وبَدَهيٌ أيضاً أن تختلف ترتيباً، إذ لا دلالة مألوفة للأرقام، فيأتي 2006 قبل 2001، و1999 بعد 2000 وهكذا. إنه زمن غير منطقي، ممتد في نبض العاشق الذي يعيد تشكيله بألوان مشاعره وأحاسيسه هو.

ولكنْ.. أَقَصَدَ شاعرنا هذا؟ أَوَعَاهُ وعياً شعرياً أم أن هذا القول من افتئات القارئ؟ 

في ظني أن في الديوان ما يشي بوعيٍ ما. فأول نص هو (أول أيام السنة)، وآخر نص هو (في آخر أيام السنة)، وهما يكشفان، بنائياً، عن دوران الزمن؛ زمن الحب، حب الديمومة، واللانهائية، حيث تكون النهاية بداية أخرى، فلا نهاية لأيام الحب، حتى لكأنما الديوان سنة حب يتجدد، فأولها حُب، وآخرها حب، وبينهما حب. بل إن (في آخر أيام السنة) يتجدد الحب، ليجد القارئ نفسه يعود تارةً أخرى إلى (أول أيام السنة)، فإذا السنة؛ سنة الحب، سنوات تجدد إحداها الأخرى وهكذا.

وتلك العلاقة بين بداية الديوان ونهايته، التي تغدو فيها النهاية بداية، لا نلحظها على سبيل المبالغة أو الإنشاء العاطفي، ولكنها قيمة رئيسة في تكوين عدد من النصوص نهايتها بدايتها: (ترجّى- بلاش نقول – لأني ما عرفت أكذب- بعد السفر- يوم ميلادي- وهم أو حلم أو كذبة- لازم).

وليست هذه القيمة لعبة نمطية أجادها الشاعر أو استمرأها، ولكنها جزء من تصميم هندسي يبني النص من داخله، تجربة، وتصويراً، وإيقاعاً وعنه تنتج طرافة كل نص وأناقته.

 

(3)

وعندما تسلمت مخطوطة الديوان –وليس لي معرفة سابقة بالشاعر- لم أكن أتوقع أن بين أوراقها مفاجأة بديعة قلما نعثر على مثلها في زمنٍ طَفَا فيه كثير من الطارئين على الشعر والجمال.. ولقد استمتعتُ بعمق، وتفاءلت بهذه النصوص التي قدمتْ صاحبها كما ينبغي له شاعراً تجاوز مرحلة البدايات، بفراسخ جمالية، ولم أجد في نفسي ذرة من تردد في تقديمه –كما هو عهدي مع زملاء كثر من الشعراء والكتاب- وإني لأزعم أن قراء شعر حسين باهارون ومستمعيه مُغَنّى، سيرون فيه ما لعلي قاصرٌ عن الإشارة إليه أو الإحاطة به في هذا المقام.

 

لقارئ الديوان أن يستمتع بالصور الطريفة التي كلما تملاّها ازدادت رونقاً وبهاءً، مثل قوله:

أهـوى سكـوتك

يا ملعـثم لسـاني

يا من بهذا الصمت

يحلا كسوفه

 

أو قوله:

 

الشـوق يـا شـوقي مـن أجلـك بـكاني

والصبـر مـا يصبر وزادت شـفـوفـه

 

إن صورة العاشق، ههنا، هي صورة الذائب في عشقه، رقيقاً لا يدّعي فروسية كالتي تشيع في كثير من دواوين الشعراء، ولكنه يقطر رقةً، وإنسانيةً، وعشقاً. 

ولأنه رقيقٌ، وعاشقٌ، وإنسان، فإنه ينبذ الزيف والتزييف في المشاعر والأحاسيس، فيلهج في مناجاة ذاتية، بقوله:

ما لها معنى.. تضحّي          
حتى تكسب ودّهم

ما لها معنى..تغيّر

من طباعك لاجلهم

يعني مستحلي حياتك

وانت مهموم ووحيد

وش تفيدك تضحياتك

طالما همّك يزيد

عيش باحساسك وذاتك

لا تعيش احساسهم

 

   إنها دعوة إلى عدم الافتعال، افتعال البطولات الزائفة، وعودة إلى البراءة الأولى، فالعاشق كائن مرهف الإحساس، مرتبك:

 

مثـل الـبـحر..

قربك يـخلّينـي أموج وأرتبـك

هــذا الـبـحـر..

قلبي الذي دايم يسايس مـركبك

لـيت الـبـحـر..

قطرة .. وفيها أحتويك وأصحبك

في كل ليلة أرتوي منّك

إذا طال الغياب

 

بيد أنه لا يركن إلى التمني (ليت البحر قطرة..) وإنما يحدّثه قلبه باحتمالات مبهجة، في آفاق قاتمة، لا لشيء سوى بقائه منتظراً بحب، ويقين:

 

ارحل وخلّي لوحتي بدون ألوان

خلّي فؤادي مثل ما كان خالي

خلّي الحكاية تنتهي بدون عنوان

خلّي شموعي تنطفي ولا تبالي

لا بدّ ترجع مثل مـوجة وشطآن

ساهر على شاطي المحبة ليالي

يمكن تجيني بعد ما غبت أزمان

موجة حنانك تنتظرها رمالي

 

(4)

وهو، على عشقه، ورقته، ورهافة إحساسه، عفويٌ –إن جاز التعبير- في البوح بمكنونات وجده، انفعالاً وهدوءً:

 

والحل... يا دنيا

وش تالية صبري

أخلصت في النية

وأخلصتِ في قهري

               كل ما بغت تجري

               سيولي ما لقت وديان

 

هذه (الواو) المنبئة بمسكوتٍ عنه، عظيم، من الصبر والهم والمعاناة، حتى انفجر في (دنياه) طالباً حلاً، نهايةً، متسائلاً عن آخر الصبر.. والمفارقة أن (سيوله) كلما أرادت أن تسيل لم تجد (ودياناً).

 

لكن هذا العاشق المتفجر في الدنيا بعد أن نفد صبره، يبدو في أعلى درجات هدوئه ومزاجه الرائق، وهو يهدهد حبيبه، إذْ حان العيد وهما متباعدان، فيخاطبه بتلقائية محب، واثق من أن الزمن طوع إشارته، وأن لا معنى للعيد إن لم يكونا معاً:

 

بسيطة العيد ياروحي..

إذا ما غبت..يتأجّـل

وتجمع شملنا فرحة..

مثل عيدين وزيـادة

وأزهار الفرح تبـقى

رغم فرقـاي ما تذبل

وفـيّة، لانـّها صارت

على الغيبات معتادة

 

لكنه لا يتجاهل معاناة الحبيب أو يحلق في خيالات وأوهام، فهو أدرى بحاله في الغياب، فيقوّيه على حُسّاده..ويحلم به وقد جمعهما الزمن:

أريدك للأبد عندي بدل ما عيش واتّخيّل

أصوّر لك ألف صورة على نجمات ووسادة

وأراقب في السما طيفك إذا ماغاب أوأقبل

وأشوفك لابس النجمة كأنّك لابـس قـلادة

ويبتدع صورة طريفة للوصال، يخفف بها ألماً ويطفئ بها ناراً:

حبيبي.. لو قمر جالك.. يناظر لك ويتأمّل

تراني وقتها ساهر..أحاكي الليل وسهاده

أغنّي لك مع ليلي حكـاية شوق ما تكمل

أردّد لحنها حتى..يجيني الوصل وأعياده

وبريشة الفنان يرسم صورة العاشق في زمن الفراق، طريفةً، بديعة:

مـن ذكــريـاتك ..

صــور خــلّـيــتـها

تـمـلا حـيـاتي تشـوفك في عـيوني

شـــوّقــتـها لـك...

وكـم ضــمّـيـتــها

حتى تمــنّـت وصـالك لـو بـــدوني

هــذا جـنــوني..

وكـلّه مـن هـــواك

مـا عــاد هـو قـلب يالغايب معـاك

 

تلك مبالغة طريفة لا يقل عنها طرافة توظيفه للتعبير الشعبي (معاد هو قلب) كنايةً عن القسوة. ولهذا التعبير أشباه في الديوان منها:

 

دَلا..دَلا.. خلينا أرد

خـلينا ادافـع عن مشاعر ودادي

بـالراي لا لا تسـتـبد

اسمع أنا افدى لك.. وخليك هادي

سيب النكد لاهـل النكـد                        

       قلبك نقي شفاف ما هو حمل تنكـيد نـزعـل وذا                            كـله..زبـد                          

يذهب بلا ذكرى.. ويبقى الحب ويزيد

 

انظر إلى قوله (دلا..دلا..) و (اسمع أنا أفدى لك) فهل تشعر بأنهما مقحمان على السياق؟ ثم انظر إلى حسن توظيفه للتعبير الشعبي في قوله:

 

ليه تاخـذ الأوهام جـد

ليه تفترض فـيني الخطا والتمادي

واحنا بنينا يــد بـيـد

صرح المحبة عالوفـا والمبـادي

وقلوبنا توسع بلد

شف كيف ضاقت ياعزيزي بالتناهيد

 

لترى كيف أن القلوب التي كانت تسع بلداً ضاقت من كثرة التنهيد، مع أن الزعل، بينهم، زبد، لا ذكرى له، ولا بقاء إلاّ للحب متجدداً.

(5)

إن نصوص الديوان تتفانى في اجتذاب القارئ إلى ما فيها من جمال. والحق أن الديوان مترع بظواهر جمالية وتصويرية وإيقاعية جديرة بالتأمل في تجربة هذا الشاعر الشاب المجيد. وأحسب أن محبي النص الجميل ومتذوقيه سيجدون ما يغري بالكتابة عن شاعرية باهارون في نصوص مثل: (وجهك قمر- بايع الأحزان- دلا..دلا..- أنا والحامي- خوفي- العيد- لازم- يوم ميلادي- وهم أو حلم أو كذبة- يبدو- غربة- أشاعوا- بعد السفر- ترجى-  ما لها معنى- بلاش نقول- شوف- والحل يا دنيا- ما عاد هو قلب- ما عرفت أكذب- تعثرالاتصال) وسواها.

إنني أتوسم في الشاعر حسين باهارون شاعر أغنيةٍ مختلفاً، وأحلم له بملحن يذوب إحساساً بالصورة والإيحاء، ليحلق الثنائي الجميل في آفاق الجمال إبداعاً وطرافةً وأناقة.

                                 

                       

 

* مقدمة الديوان الصادر عن مركز عبادي للدراسات والنشر – صنعاء- 2006

 

 


غلاف الديوان



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية