عن الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف
د. سعيد الجريري
هو من القلة القليلة التي يشرف بها اللقب في هذا الزمان، و ليس للمجاملة الأدبية أو الاجتماعية أو سواهما دور في توقيره بالأستاذية أو ( المجابرة ) بها كما هو شائع في هذه الأيام!
ولأنه كذلك فقد ظلت له مكانته المائزة، بما أنجزه من مؤلفات دالة على تكوينه المعرفي والثقافي وطريقته وإخلاصه للعلم والتاريخ والأدب النقد والتراث ، فضلاً عن إنسانيته العالية وتواضعه الجم وزهده في الشهرة والوجاهة والسلطة وأخواتها.
إزاء الأستاذ ومكانته يرتبك كثير ممن يزهون اليومَ بألقاب فضفاضة عليهم ، نالوها بكيفيات مختلفة، ثم ظنوا أنهم قد أحاطوا - استغفر الله - بكل شيء علماً ، فتاهوا في البريّة كأولئك الذين قال فيهم ابن رشيق القيرواني:
لم يكن الراحل محمد عبد القادر بامطرف (1915- 1988) - رحمه الله - دكتوراً ، ولم ينل لقباً علمياً من إحدى الجامعات ( المستنسخة) أستاذاً مساعداً أو مشاركاً أو أستاذاً ( بروفيسور)، ولكنه أنجز أعمالاً ترقّى بالاقتباس منها مَن ترقّى، وأخذ عنها طلاب ماجستير ودكتوراه ، ومستشرقون ، وباحثون من جنسيات مختلفة.
بامطرف مؤلف في التاريخ والأدب والنقد والتراث الشعبي ومنشئ للقصة القصيرة والمسرحية والقصيدة وكاتبٌ للمقالة مقتدر ، و كان له حضوره الأدبي والثقافي البهي، و له تراث أفرده في الزمان والمكان. لكن ذلك كله لم يحُلْ دون أن يسفّه جهوده ( أستاذ دكتور !!) ، من أساتذة هذه الأرض المرزوءة بألقاب ( معتمد فيها ومعتضد ) ، فسخر منه و عرّض به و بمهارته غير النافعة - حاشاه - حدّ أن غمز الأستاذ بامطرف فألمح إلى أنه جدير بأن يُجلد مائتي جلدة كذاك الماهر في رمي الإبر الذي أمر له أبو جعفر المنصور بمائة درهم إعجاباً بمهارته ، ثم أمر بأن يُجلد مائتي جلدة لأن مهارته تلك لا تترتب عليها فائدة!!
هكذا .. بكل بساطة ، و بقلم بارد ، و( بدون جمارك ) أيضاً!! .. فكتاب(الجامع) جهد ضائع لأن بامطرف لا منهج له فيه ولا علم ، فهو مجرد رجلٍ ربما كان يشعر بالفراغ ، لا يدري ماذا يفعل ، فوجد سلواه وضالته في الأعلام المهاجرة وفي كل اسم مبدوء بـ(با) ، ولكنه نسيَ - كما زعم الأستاذ الدكتور- أن يضم إلى كتابه مثلاً ، اللاعب الأرجنتيني (باتيستوتا) !!! و فاته أن يذكر ، لحضرته ، أن الصاروخ الأمريكي (باتريوت) ذو نسب بمدينة عامرة ذات صلة بموضوع الكتاب لعلّها (غيل باوزير) أو قرية بائدة في حضرموت لعلها (شكلنزة) أو سواهما من ذوات الصلة بـ (باءاتٍ) سادت ثم بادت!!
أهكذا توقّر الشعوب المتحضرة أعلامها؟..
أهكذا يكون الاحتفاء بالرجل بعد الغياب؟..
بل أهكذا يكون النظر المنهجي إلى جهود المخلصين؟..
لو قرأ الأستاذ الدكتور مقدمة الكتاب وما تلاها من فصل ممتع ومفيد على الأقل من الناحية الأنثروبولوجية لما حدّثته نفسه الأمّارة بالاستهزاء الذي أساء إلى حضرته وحده. أما الأستاذ الراحل محمد عبدالقادر بامطرف فليست به حاجة إلى شهادة من ذوي الشبه بأؤلئك الذين زهّدوا ابن رشيق في الأندلس، ويكفيه أنه راحل في الأجيال نُسغاً معرفياً و قامة ثقافية باسقة.
كان في الأمر مندوحة للأستاذ الدكتور كي يتأمل جهود الآخرين ويكتب عنها بإنصاف الأكاديمي المنهجي، بعيداً عن أساليب الباحثين عن شهرةٍ مجانيةٍ كبعض الصحفيين المبتدئين، ولا أحسب أن به حاجة إليها. لكنْ ماذا نتصور لو أن حضرته - لا سمح الله - أصبح الخليفةَ أبا جعفر المنصور نفسه، هل ستتداخل فيه حينئذٍ شخصيتان مؤلفةٌ حروفُهما من الألف واللام والدال والكاف والتاء والواو والراء، ولكن باختلاف العدد والترتيب ؟!
لست مدافعاً ههنا عن بامطرف وكتابه، ولست رادّاً على الأستاذ الدكتور واستهزائه، لكن الساكت عن الهُزء بالمخلصين هازئ آخر، ولقد قيل في المأثور:( من غربلَ الناس نخلوه ).إنْ هي إلا كلمة وفاء للأستاذ بامطرف في ذكرى رحيله العشرين ( 1/ يوليو ) أستاذاً في زمن قلّ فيه الأساتذة المحترمون.






said:



من اليمن