بين ( شهرزاد ) الجريري
و( حسناء ) ابن هاشم
د. صادق عمر مكنون
وقف الدكتور سعيد الجريري يلقي كلمته ممثلاً لمؤسسات المجتمع المدني في المؤتمر الرابع لحزب التجمع اليمني للإصلاح في حضرموت ، وفاجأ الجميع بنفيه القاطع وجود مجتمع مدني فضلاً عن وجود مؤسسات مجتمع مدني . كما نفى وجود المرأة في مجتمعنا. ثم سرد على الحضور قصة ألف ليلة وليلة ، وأبدى إعجابه الشديد بشهرزاد ، وأنهى كلمته وجمهور الحضور بين من ترتسم على محياه علامات الاستفهام وعلامات التعجب والاندهاش وبين متبرمٍ وآخرَ معجب بما قال.
سألني أحدهم: ماذا يريد أن يقول الدكتور؟ . قلت: الدكتور سعيد شاعر ، والمعنى في بطن الشاعر .
هذا الموقف استدعى إلى ذاكرتي موضوعاً كتبه الشاعر والصحفي والمؤرخ الأستاذ محمد بن هاشم في عام 1940م في مجلة (الأخوَّة )، بعد تنفيذ هارولد انجرامز سياسة بريطانيا (إلى الأمام ) و(وحِّد تسُد) التي كان من نتيجتها إحداث تغييرات عميقة في مجالات الحياة كافة في مجتمع حضرموت. فعقد هدنة بين جميع قبائل حضرموت سميت في حينها بـ ( هدنة انجرامز ) أو ( سلام انجرامز) . وتم تطوير التعليم ، ففتحت المدارس للبنين والبنات ، وأُسست المنتديات الثقافية والمكتبات العامة ، كما تطورت الإدارة الحكومية المدنية والعسكرية، وحدثت تحولات اجتماعية عميقة ، فتحول المجتمع في حضرموت من مجتمع قبلي، الدولة فيه ملك للقبيلة، إلى مجتمع مدني تحررت الدولة فيه من القبيلة.
فلم تعد السلطنة القعيطية ملكاً لقبيلة القعيطي، إذ أصبح أفراد هذه القبيلة موظفين عند الدولة ، بل إن السلطان نفسه أصبح موظفاً يتقاضَى راتباً شهرياً مقدراً من الدولة ، وكذلك الحال بالنسبة للسلطنة الكثيرية. وضم أفراد من قبائل حضرموت المختلفة إلى جهاز الدولة في الجيش والوظائف العامة.
في ظل هذه الأوضاع التحولية كتب الأستاذ محمد بن هاشم عام 1940، بروح ملؤها الأمل والتفاؤل يستشرف المستقبل - موضوعاً على لسان امرأة تخيل أنها كتبته بعد خمسين عاماً أي عام 1990م في جريدة (العاصمة) وهي جريدة تصدر في سيؤون، بقلم السيدة ( حسناء). فقد توقع الأستاذ ابن هاشم أنه بعد خمسين عاماً سوف يتحسن وضع المرأة ، فكاتبة المقال امرأة. وتوقع أن نسبة الأمية في الحضر سوف تنخفض إلى 6 % وفي البدو إلى 20 % ، في وقت مازال فيه تعليم البنين والبنات في مبدأ أمره. وتوقع أن الصحافة سوف تزدهر ، وستصبح المواصلات سهلة وميسرة . وعن تطور الاتصالات تنبأ ابن هاشم بالهاتف النقال، فيقول :" ولم تكن لديهم الهواتف الجيبية الأثيرية التي نحملها اليوم في جيوبنا فنخاطب بها البعيدين عنا". وتوقع تطوراً وازدهاراً اقتصادياً في المجالات كافة.
إن واقع التحول من مجتمع قبلي إلى مجتمع مدني جعل الأستاذ ابن هاشم يستشرف المستقبل بروح ملؤها الأمل والتفاؤل ، فطار بنا إلى حسناء سيؤون . بينما واقع التراجع إلى بعض مظاهر المجتمع القبلي مع وجود التعليم العالي للبنين و البنات ومظاهر التمدن التي تضج بها حياتنا اليوم ، جعل الدكتور الجريري ينكص إلى الماضي .. إلى شهرزاد بغداد.
لكنَّ لنا أملاً في الله أن يتغير الواقع إلى الأفضل ، فيكتب الدكتور الجريري مستشرفاً المستقبل بروح ملؤها الأمل والتفاؤل ، ويطير بنا إلى أمل المكلا.








