حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
القصة..والإبداع في كوكب اليمن!!

السرد بدأ في المهجر والترجمة بدأت معكوسة :

القصة في كوكب اليمن
                          
                                     عزت القمحاوي
 

الواصل محمصاً من شمس القاهرة يتوقع أن يحترق في اليمن، هكذا يقتضي منطق الاقتراب من خط الاستواء، لكن مذيعة الطائرة أعلنت أن الحرارة خارج الكابينة تبلغ اثنتين وعشرين درجة، ومضت أيام مهرجان القصة في صنعاء بين غيم ومطر وشمس حيية، لكن صنعاء ليست كل اليمن المتنوع تنوع كوكب، بين حر واعتدال، بين خضرة الوديان ووعورة الجبال، بين داخل وساحل.
هذا الكوكب يعاني من العزلة، التي يدركها كتابه لحسن الحظ ويعملون علي كسرها، بوسائلهم وقدراتهم المحدودة على التواصل، فهم يتابعون كتب بيروت والقاهرة من خلال رحلاتهم الخاصة، وتبادل ما يحملون من كتب.
كسر العزلة كان طموح مهرجان القصة الرابع الذي نظمته وزارة الثقافة بالاشتراك مع نادي القصة اليمني إلمقه على مدار ثلاثة أيام، واختتم مساء الاثنين الماضي بتكريم ثلاثة من المبدعين اليمنيين. الدورات الأربع للمهرجان لم تأت في سنوات متتابعة، فالدورة الأحدث تأتي بعد انقطاع دام ست سنوات. ربما لهذا السبب شهد المهرجان حشدا من الكتاب اليمنيين، بلغ نحو 180 كاتبا وناقدا، بالإضافة إلي عدد من المبدعين والنقاد العرب، أو من تيسر وصولهم، حيث غاب أدباء ونقاد المغرب بسبب صعوبات السفر. وساعات الانتظار المفترضة في تبديل الطائرات.
هذا العدد من المشاركين اليمنيين وسم اللقاء بالفضفضة المبررة في ظل تباعد فرص اللقاء، لكن أيضا بالتساهل في الاختيار، فليس هناك من كوكب آخر، غير الكوكب اليمني يمتلك هذا العدد من الكتاب. ومع الاعتراف بأن اليمن أحد مراكز النشاط القصصي، إلا أن القراءات القصصية كشفت عن تساهل في الاختيار، حيث اتسمت الكثير من القصص بالضعف الفني واللغوي، وضعت جنبا إلى جنب مع تجارب متميزة أخرى.
ولم يكن اللقاء مجرد سوق عكاظ للقراءات القصية، لكنه كان فرصة لقراءات حول الرواية والقصة اليمنية، استأثرت تجارب البدايات بعدد كبير من المشاركات، اقترحت كل منها بداية مختلفة للقصة اليمنية.
افتتح المهرجان صباح الأحد الدكتور علي محمد مجوّر رئيس مجلس الوزراء، مؤكدا علي أهمية اللحظة أن الملتقي ينعقد في ظروف يحتاج فيها اليمن إلي دور الكلمة الصادقة المؤمنة بالوحدة والتلاحم، التي تنتصر لقيم المحبة والتسامح، وتؤكد قيم الحوار والديمقراطية .
ونوه مجاور إلي مسئولية ومهمات الأدباء في مواجهة انبعاث الفتن المذهبية والشطرية، والتي تبرز أهمية الثقافة في تحقيق الاندماج المجتمعي، ورفض كل الدعوات التي ترد إلي الماضي. مؤكدا علي أن الأدباء اليمنيين حققوا الوحدة في ظل التشطير حين أرسوا ثقافة الوحدة وتصدوا لثقافة الانفصال.
وتضمن الاحتفال كلمة لوزير الثقافة د.محمد أبو بكر المفلحي، وكلمة لنادي القصة وكلمة لممثل مؤسسة العفيف الثقافية المستقلة، كما ألقي الكاتب والناقد السوري عبدالله أبو هيف كلمة المشاركين العرب. لتبدأ بعد الافتتاح وقائع أيام ثلاثة من الندوات والقراءات القصصية واللقاءات الحرة في صنعاء القديمة مساء.
في الأصل والفصل
المختلف في هذا المهرجان، كان طبع كتاب الأبحاث قبل البدء، في كتاب حمل عنوان النقاد يصنعون موجة للبحر وقد أتاح هذا للمشارك حرية اختيار القاعة التي تتضمن ورقة أثارت فضوله، حيث كانت الجلسات تعقد بشكل متواز، لكن هذا السبق جعله لا يتضمن إلا المشاركات التي وردت مبكرا، فلم يتضمن محور الشهادات الذي شارك فيه من الأدباء العرب إلياس فركوح، زينب حفني، هدي النعيمي، وعبدالله متقي، ولا شهادات اليمنيين أو بالأحرى اليمنيات: أفراح الصديق، رمزية الإرياني، أروي عثمان، هدي العطاس، زهرة رحمة الله، بشرى المقطري، نادية كوكباني، محاسن الحواتي، وسلوى الصرحي.
النقد توزع على خمسة محاور: اتجاهات في نقد الرواية، دراسات عن القصة القصيرة اليمنية، دراساعت عن الرواية اليمنية، أدب الطفل، وأخيرا الترجمة.
البدايات المقترحة للقصة اليمنية تعددت، فالباحثة ابتسام المتوكل تعود بالتاريخ إلي العام 1929 حيث كتب أحمد بن عبدالله بن محسن السقاف في ذلك التاريخ قصتين طويلتين، لكن اعتماد هذا التاريخ يقر بأن القصة اليمنية قد ولدت في المهجر، حيث كان الصحفي السقاف مهاجرا إلى أندونيسيا، بينما كان صدور مجلة (الإيمان 1926) وبعدها (الحكمة اليمانية) الأكثر حداثة والتي حملت أول نص قصصي يمني عام 1940 لزيد بن علي عنان.
وفي إطار دراسته لإشكاليات القصة اليمنية يعتبر عبدالإله سلام أن البداية في نهاية الثلاثينيات، بينما كان الظهور العلني للقصة القصيرة في عام 1956 بالمجموعة القصصية أنت شيوعي لصالح الدحان، أي المرة الأولي في كتاب وليس بالنشر في الصحف، حاضنة هذا الفن.
علي أية حال، فإن التأريخ للسرد اليمني، علي ما هنالك من تقاطعات في الدراسات خطوة مهمة للتعريف، لكنها ليست كذلك في الدورة الرابعة، إذ كان من المنتظر أن تتراكم نتائج الدورات لتغادر الدراسات مرحلة التأسيس إلي ما يكتب اليوم في اليمن، وإن كان هناك الكثير من الدراسات التي تناولت الإبداع اليمني، ومناهج النقد، وواقع الترجمة الأدبية في اليمن، إلا أن محورا مهما قد غاب وهو صناعة النشر، حيث يفتقر بلد بهذه العراقة إلي صناعة خاصة للنشر، وهي أساس نهضة التأليف تفكيرا وإبداعا، وأساس الترجمة التي لم تزل تعتمد علي جهود فردية، ولم تأخذ الطابع الاحترافي.
الترجمة معكوسة
اتخذت ندوة الترجمة طابع المناقشة الحرة أدارها الكاتب والإذاعي المصري محمد الناصر، وتحدث فيها العديد من أدباء ومترجمي اليمن، بينهم د.عبدالوهاب المقالح، شوقي شفيق، أسماء المصري، ود.شيرين ياسين، والروائي اليمني المعروف القادم من باريس حبيب عبدالرب سروري، الذي نقل الحديث من الترجمة إلي تحد ثقافي عام يتمثل في الكتاب الإلكتروني والتطورات التي تلافت عيوبه الأولي، وأهمها تحويل الشاشة إلي سطح محايد كالورقة تماما، والوصول بالطاقة الكهربائية اللازمة للتشغيل إلى درجة الصفر. وبالتوازي مع هذا التطور استعدادات المكتبات وسلاسل النشر الغربية الكبرى لزمن الرقمنة.
كانت كلمة سروري تلخيصا لمحاضرة ألقاها الثلاثاء، خارج المؤتمر، لكن مشكلات الترجمة بقيت معلقة، وإن نجحت الجلسة في وضعها بالنور. الطريف أن بداية الترجمة في اليمن كانت من العربية إلي لغة أجنبية وليس العكس، حيث يؤكد شوقي شفيق على أن العمل الأول كان عام 1886 النهر الفائض في علم الفرائض والإيضاح في حقوق النساء وأحكام النكاح لعبدالقادر محمد مكي إلى أصدره في العربية والإنجليزية لمساعدة قضاة عدن من غير العرب في إصدار الأحكام وفق الشريعة.


 

الإبداع في كوكب اليمن

                                       بشرى المقطري
 

 لا أعلم أن كان هناك وصف أشد قسوة وأكثر سخرية ومرارة من مقالة الكاتب المصري عزت القمحاوي عن مهرجان القصة الأخير المنعقد في صنعاء، هذا التوصيف الدقيق والعميق لأننا في رؤيته على الأقل - وربما من منظور العالم أجمع - كوكب ليس أرضياً، كوكب قديم ينتمي ربما لعصور ما قبل التاريخ، كوكب يمني نائي ومعزول ليس فيه أية بنية تحتية للثقافة لكن للأسف فيه وزارة للثقافة، ليس فيه دار نشر وفيه مليون كاتب، ليس فيه مسرح وفيه مسرحيون، ليس فيه سينما وسيقام فيه مهرجان للسينما.
-
في هذا الكوكب اليمني، توجد كائنات خرافية أخرى طبعاً غير السياسيين وأساتذة الجامعات - هذه الكائنات تكتب قصصاً وروايات ومسرحيات، وأحياناً تكتب تحقيقات ومقالات، هذه الكائنات أدهشت الكاتب المصري في جلادتها وصبرها في كسر العزلة الثقافية التي تعيشها، لكن ما أدهشه وربما أخافه أكثر هو عددها، حيث رأى 180 كاتباً للقصة «تخيلوا» حيث أن مصر - البلد الذي ينتمي إليه الكاتب وعلى الرغم من عدد سكانه وعراقته الثقافية لا يمتلك هذا العدد المهول من كتاب القصة، وبحسب تعبيره أيضاً «فليس هناك من كوكب آخر غير الكوكب اليمني يمتلك هذا العدد من الكتاب».
-
لم تنتبه اللجنة التحضيرية لمهرجان القصة ولا وزارة الثقافة التي أفاقت أخيراً من غفوتها لهذه الصدمة التي تعرض لها الآخرون، أقصد الكتاب العرب اللذين فاجأهم الكم الهائل من الكتاب اليمنيين الحاضرين في المهرجان، وربما بنية حسنة من اللجنة، فإنها رأت أن تحشد الجميع إلى هذا المهرجان بمختلف الأعمار والتجارب، ومن جميع بقاع اليمن، ورغم النوايا الطيبة للقائمين على المهرجان، إلا أن الأمر في رأي خرج عن السيطرة لان الآخرين «الضيوف» يعرفون أن يميزوا بين الجيد وبين الرديء وبين الرديء والأكثر رداءة، فهم ليسوا متساهلين أو «متفهمين» في رؤيتهم للسرد اليمني، ليس لديهم، السماحة وطول البال في السماع للبعض، لأنهم لايحبون «المجابرة» والتساهل مع العمل الإبداعي.
-
ما لايعرفه الكاتب المصري أننا نعاني في هذا الكوكب، ومتعبون من الحياة، ومن ثم لا نفكر في أي مهرجان ثقافي أكثر من اعتباره «عزومة» دسمة تسيل لعابنا، وبدل سفر وصورة تذكارية، فنحن لانفكر أبداً بأن هناك استراتيجية أو آلية محددة في كيفية إدارة المهرجانات الأدبية بدءاً من التوقيت المحدد الزمني انتهاءً بالمدعويين سواء العرب أو اليمنيين، وما هي المعايير التي اتبعت في استضافة بعض الكتاب العرب دون آخرين، أم بعض الكتاب اليمنيين المقيمين في الخارج دون آخرين، وفي رأيي كان يجب أن تحدد معايير ثابتة في أهمية التجارب المشاركة خاصة المستضافة، لكن الأمر تم بعشوائية مما أدى إلى إحداث إرباك في الأمر ليس عند الكتاب العرب القادمين من الخارج وإنما لدى أي متابع لكيفية سير المهرجان.
-
الشيء الآخر الذي نبه إليه الكاتب المصري هو تساهل اللجنة التحضيرية في اختيار القراءات المشاركة، وهو بذهنيته الناقدة يمتلك جرأة إبداء الرأي أكثر منا، فنحن ربما سنخجل من هكذا طرح، لكن القمحاوي عرى المشهد الثقافي الراهن بأسلوب حاد ومدهش حيث أورد : إلا أن القراءات القصصية كشفت عن تساهل في الاختيار، حيث اتسمت الكثير من القصص بالضعف الفني واللغوي.. !!.
-
لا أدري لماذا التساهل في الاختيار ؟ لماذا حشرت اللجنة التحضيرية الجميع في منصة واحدة؟، ربما لم تقف اللجنة على الأمر، لأن في رأيها اعتلاء المنصة وحشد الجميع أهم من رغبة وذوق المتلقي، وربما لو لم تدع اللجنة أدباء عرباً لماوقعت في هذا المأزق، لأن الأدباء اليمنيين لايكترثون لمثل هذا التفصيل الحزين الذي روع الكاتب المصري.
-
الأمر الآخر الذي أثار الكاتب، هو الجدل العقيم في التأسيس لبداية القصة اليمنية، وهذا الأمر مضحك في رأيي لأن هناك الكثير من الأدباء والدارسين اليمنيين ومن غير اليمنيين، ومن ليس لهم علاقة بالسرد من بعيد أو قريب إلا وأشبعوه ضرباً، بحيث أصبح محرجاً لاي كاتب يمني يمتلك مقداراً ما من الحماسة، لماذا الاسراف في البحث عن التأسيس،من بدأ أولاً السقاف أم عنان..، من كان له شرف الفتح، وكان الأحرى بالمهرجان أن يرتكز على الإبداع اليمني الراهن، وعلى التجارب الإبداعية في الساحة، وعن الاشكاليات والعراقيل التي يواجهها الأديب في النشر والتوزيع بدلاً عن المحاور التي لاتخدم الإبداع اليمني الحالي في ظرفه الراهن على الأقل، مثل اتجاهات نقد الرواية، واتساءل بفجاجة هل هناك نقد روائي في اليمن؟ هل هناك أدب طفل، وهل هناك ترجمة ؟
-
ربما هذه المحاور لاتزال في علم الغيب، وليس في علم اللجنة التحضيرية، أو المشاركين والضيوف، ومن ثم لم يستطع المهرجان على فخامته أن يبت فيها، الأمر الذي أصاب الكاتب المصري بالبلبلة في نشأة السرد في اليمن وفي الترجمة، على الرغم من ذلك اقترح الكاتب محوراً مهماً وهو صناعة النشر حيث استغرب عدم وجود صناعة نشر في كوكب يمتلك «180» كاتباً.
-
الطبخة/ المهرجان كانت سريعة و «سلق» سواء في اختيار أسماء المشاركين من اليمن أو من الأدباء العرب، أو في دمجها في ثلاثة أيام، أو في محاورها التي كانت بعيدة عن الراهن السردي الحالي، أو في التغطية الإعلامية المصاحبة للمهرجان، لكن وبعد ان انفض «المولد» وزال غباره، ماالذي بقي سوى أن يوصمنا الآخرون بالخبل والسذاجة، ومجموعة كتاب يحاولون كسر العزلة الثقافية بجهود ذاتية متواضعة دون دعم حقيقي من الوزارة التي يجب أن تعنى بشئون الثقافة، أسئلة كثيرة أطلقها الكاتب المصري، لكن هل حقاً نحن من كوكب آخر، كوكب لامرئي ومعزول، كوكب نائي وخرافي «السرد يبدأ منه بالمهجر والترجمة تبدأ معكوسة».. أليس هناك خطأ ما لانراه نحن بل يلمسه الآخرون القادمون من العالم.

 

 

 

 

 

 


عزت القمحاوي



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية