|
السرد بدأ في المهجر والترجمة بدأت معكوسة : القصة في كوكب اليمن
عزت القمحاوي
الواصل محمصاً من شمس القاهرة يتوقع أن يحترق في اليمن، هكذا يقتضي منطق الاقتراب من خط الاستواء، لكن مذيعة الطائرة أعلنت أن الحرارة خارج الكابينة تبلغ اثنتين وعشرين درجة، ومضت أيام مهرجان القصة في صنعاء بين غيم ومطر وشمس حيية، لكن صنعاء ليست كل اليمن المتنوع تنوع كوكب، بين حر واعتدال، بين خضرة الوديان ووعورة الجبال، بين داخل وساحل. |
الإبداع في كوكب اليمن
لا أعلم أن كان هناك وصف أشد قسوة وأكثر سخرية ومرارة من مقالة الكاتب المصري عزت القمحاوي عن مهرجان القصة الأخير المنعقد في صنعاء، هذا التوصيف الدقيق والعميق لأننا في رؤيته على الأقل - وربما من منظور العالم أجمع - كوكب ليس أرضياً، كوكب قديم ينتمي ربما لعصور ما قبل التاريخ، كوكب يمني نائي ومعزول ليس فيه أية بنية تحتية للثقافة لكن للأسف فيه وزارة للثقافة، ليس فيه دار نشر وفيه مليون كاتب، ليس فيه مسرح وفيه مسرحيون، ليس فيه سينما وسيقام فيه مهرجان للسينما.
- في هذا الكوكب اليمني، توجد كائنات خرافية أخرى طبعاً غير السياسيين وأساتذة الجامعات - هذه الكائنات تكتب قصصاً وروايات ومسرحيات، وأحياناً تكتب تحقيقات ومقالات، هذه الكائنات أدهشت الكاتب المصري في جلادتها وصبرها في كسر العزلة الثقافية التي تعيشها، لكن ما أدهشه وربما أخافه أكثر هو عددها، حيث رأى 180 كاتباً للقصة «تخيلوا» حيث أن مصر - البلد الذي ينتمي إليه الكاتب وعلى الرغم من عدد سكانه وعراقته الثقافية لا يمتلك هذا العدد المهول من كتاب القصة، وبحسب تعبيره أيضاً «فليس هناك من كوكب آخر غير الكوكب اليمني يمتلك هذا العدد من الكتاب».
- لم تنتبه اللجنة التحضيرية لمهرجان القصة ولا وزارة الثقافة التي أفاقت أخيراً من غفوتها لهذه الصدمة التي تعرض لها الآخرون، أقصد الكتاب العرب اللذين فاجأهم الكم الهائل من الكتاب اليمنيين الحاضرين في المهرجان، وربما بنية حسنة من اللجنة، فإنها رأت أن تحشد الجميع إلى هذا المهرجان بمختلف الأعمار والتجارب، ومن جميع بقاع اليمن، ورغم النوايا الطيبة للقائمين على المهرجان، إلا أن الأمر في رأي خرج عن السيطرة لان الآخرين «الضيوف» يعرفون أن يميزوا بين الجيد وبين الرديء وبين الرديء والأكثر رداءة، فهم ليسوا متساهلين أو «متفهمين» في رؤيتهم للسرد اليمني، ليس لديهم، السماحة وطول البال في السماع للبعض، لأنهم لايحبون «المجابرة» والتساهل مع العمل الإبداعي.
- ما لايعرفه الكاتب المصري أننا نعاني في هذا الكوكب، ومتعبون من الحياة، ومن ثم لا نفكر في أي مهرجان ثقافي أكثر من اعتباره «عزومة» دسمة تسيل لعابنا، وبدل سفر وصورة تذكارية، فنحن لانفكر أبداً بأن هناك استراتيجية أو آلية محددة في كيفية إدارة المهرجانات الأدبية بدءاً من التوقيت المحدد الزمني انتهاءً بالمدعويين سواء العرب أو اليمنيين، وما هي المعايير التي اتبعت في استضافة بعض الكتاب العرب دون آخرين، أم بعض الكتاب اليمنيين المقيمين في الخارج دون آخرين، وفي رأيي كان يجب أن تحدد معايير ثابتة في أهمية التجارب المشاركة خاصة المستضافة، لكن الأمر تم بعشوائية مما أدى إلى إحداث إرباك في الأمر ليس عند الكتاب العرب القادمين من الخارج وإنما لدى أي متابع لكيفية سير المهرجان.
- الشيء الآخر الذي نبه إليه الكاتب المصري هو تساهل اللجنة التحضيرية في اختيار القراءات المشاركة، وهو بذهنيته الناقدة يمتلك جرأة إبداء الرأي أكثر منا، فنحن ربما سنخجل من هكذا طرح، لكن القمحاوي عرى المشهد الثقافي الراهن بأسلوب حاد ومدهش حيث أورد : إلا أن القراءات القصصية كشفت عن تساهل في الاختيار، حيث اتسمت الكثير من القصص بالضعف الفني واللغوي.. !!.
- لا أدري لماذا التساهل في الاختيار ؟ لماذا حشرت اللجنة التحضيرية الجميع في منصة واحدة؟، ربما لم تقف اللجنة على الأمر، لأن في رأيها اعتلاء المنصة وحشد الجميع أهم من رغبة وذوق المتلقي، وربما لو لم تدع اللجنة أدباء عرباً لماوقعت في هذا المأزق، لأن الأدباء اليمنيين لايكترثون لمثل هذا التفصيل الحزين الذي روع الكاتب المصري.
- الأمر الآخر الذي أثار الكاتب، هو الجدل العقيم في التأسيس لبداية القصة اليمنية، وهذا الأمر مضحك في رأيي لأن هناك الكثير من الأدباء والدارسين اليمنيين ومن غير اليمنيين، ومن ليس لهم علاقة بالسرد من بعيد أو قريب إلا وأشبعوه ضرباً، بحيث أصبح محرجاً لاي كاتب يمني يمتلك مقداراً ما من الحماسة، لماذا الاسراف في البحث عن التأسيس،من بدأ أولاً السقاف أم عنان..، من كان له شرف الفتح، وكان الأحرى بالمهرجان أن يرتكز على الإبداع اليمني الراهن، وعلى التجارب الإبداعية في الساحة، وعن الاشكاليات والعراقيل التي يواجهها الأديب في النشر والتوزيع بدلاً عن المحاور التي لاتخدم الإبداع اليمني الحالي في ظرفه الراهن على الأقل، مثل اتجاهات نقد الرواية، واتساءل بفجاجة هل هناك نقد روائي في اليمن؟ هل هناك أدب طفل، وهل هناك ترجمة ؟
- ربما هذه المحاور لاتزال في علم الغيب، وليس في علم اللجنة التحضيرية، أو المشاركين والضيوف، ومن ثم لم يستطع المهرجان على فخامته أن يبت فيها، الأمر الذي أصاب الكاتب المصري بالبلبلة في نشأة السرد في اليمن وفي الترجمة، على الرغم من ذلك اقترح الكاتب محوراً مهماً وهو صناعة النشر حيث استغرب عدم وجود صناعة نشر في كوكب يمتلك «180» كاتباً.
- الطبخة/ المهرجان كانت سريعة و «سلق» سواء في اختيار أسماء المشاركين من اليمن أو من الأدباء العرب، أو في دمجها في ثلاثة أيام، أو في محاورها التي كانت بعيدة عن الراهن السردي الحالي، أو في التغطية الإعلامية المصاحبة للمهرجان، لكن وبعد ان انفض «المولد» وزال غباره، ماالذي بقي سوى أن يوصمنا الآخرون بالخبل والسذاجة، ومجموعة كتاب يحاولون كسر العزلة الثقافية بجهود ذاتية متواضعة دون دعم حقيقي من الوزارة التي يجب أن تعنى بشئون الثقافة، أسئلة كثيرة أطلقها الكاتب المصري، لكن هل حقاً نحن من كوكب آخر، كوكب لامرئي ومعزول، كوكب نائي وخرافي «السرد يبدأ منه بالمهجر والترجمة تبدأ معكوسة».. أليس هناك خطأ ما لانراه نحن بل يلمسه الآخرون القادمون من العالم.









