البرَدونيّ
حضورٌ لا يواريهِ الغيابُ
سعيد الجريري
مُبصرٌ ، في زَمَنٍ أعمى ، كزرقاء اليمامة..لم يتوكأ على فصِيلٍ أو قبَيلٍ..يقولُ كلمتَهُ فترجف الرَّاجفةُ الشعريَّةُُ.. يُصغي إليهِ الواجفونَ فيرتجف الوعدُ في فرائصهم مُرُوجاً خضراءَ، ويمتدّ صوتُهُ فوقَ المُرُوجِ ناطوراً لا ينام .
كان الربيعَ في قلبِ الشتاء ، مُصطفًى من كُلِّ قلبٍ تألّف.. راودته الأوهامُ عن حُِلمِه ِ، فاستعصمَ باليقين..
قرأ فوَعَى ، ووَعَى فسَعَى ، وسَعَى فرَعَى، ورَعَى فلَم يخُن.
كانَ ينحتُ في وجهه الزَّمَنُ، لكنَّهُ كانَ يؤلِّفُ من زَمَنِه ِزَمَناً مُستحيلاً ، و لم يَكُ طوباوياً.
فلسفَ الجراحَ ، ومضى في طريقِ الفجر يحلمُ ، بمدينةٍ لا تأتي، كأنَّـها الغَـدُ الذي يختلفُ عن كُلِّ غَـد .. ولم تُضنِهِ الغدغـدة .
ضاعَ في مدينةٍ لاتُشبهُهُ.. صبيحاتُها كاليتامَى الحزانَى، ولياليها كأُمَّهاتِهم ..
واشتعلَ في صدرِه ِدُجَى المَوتَى، وأحزانُ البيوت.. وكآبةُ الغَيم الشِّتَائي وارتجافُ العنكبوت..ووحدَهُ كانَ يلوكُ صدَى الرياحِ ، ويرتدي عُريَ الخبوت .
ذابَ ، في صوتِهِ ، أنقَى الأصواتِ ، فتَمَاهَى فيها.. فكثّف معانيَ في معنًى يتشظّى معانيَ شتّى..
هذِهِ كُلُّها بلادي ..وفيها كُلُّ شيءٍ..إلا أنا و بلادي !!
فتشظّت أحزانُـهُ قصائدَ لعينَيها الأسطوريتينِ ، وقد عُصِرَ الزيتونُ والعنبُ.. لكنَّهُ كانَ يَرَى مُوقناً ، في أسَى المقلتَينِ ، حُلم الصبا .. إنَّ السماءَ تُرَجَّى حينَ تحتجبُ.
سافرَ إلى أيامٍ خُضرٍ ثَمِلاً بطقوسِ الحَرف ، وألوانٍ من الصّمتِ الجليل ، يُثرثرُ محموماً، كأغنيةٍ من خَشَبٍ ، بينَ ضياعَين .. وبعدَ سقوط المكياج ، كشَفَ وُجُوهاً دُخَانيَّـةً في مَرايا الليل ، ومأساةَ حارسِ الملك ، والتاريخَ السِّرِّيَّ للجِدارِ العتيقِ ، والأميرةَ في تحوُّلاتِ مَرايا العشق .. ظَـلَّ مُنتصباً يسخرُ - لا يشمتُ - سندباداً في مقعدِ التحقيق .
اجتلَى زماناً بلا نوعيَّـةِ ، تهربُ جدرانُـهُ ، كالبغايا، وتنتظر المغنّيَ أُغنياتُهُ، إِذ يستقيلُ الموتُ ، ويُـدَوِّي الصَّمتُ .. فترجَمَ رملياً لأعراسِ الغُبارِ خاتمةَ ثورتَينِ ، واجتلَى وردةً من دَمِ ابنِ الحسين ، واجتلته كائناتُ الشَّوقِ الآخَرِ ، في مهرجانِ الحَصَى، فرَأَى ما رَأَى ..
رَأَى اجتماعاً طارِئاً للحشراتِ ، وعَـدَماً ، وزماناً للصَّمتِ الذَّليل.. حتَّى تراءَى لَهُ مُصطفَى ، زماناً سيأتي ، يمحُو الزَّمانَ المُزيَّّف.
راوغَتهُ المصابيحُ ، فجَابَ العُصورَ ، واستدعَى الحكيمَ.. وظَلَّ ..وظلَّتِ الكَلِمَةُ تخضرُّ، في عينَيهِ، مُرُوجاً،
ويمتـدُّ صَوتُهُ ، فوقَ المُرُوجِ ، ناطُوراً ..لا يَنام .
***
هاأنت الآن تطل علينا من نافذة الحضور الذي لا يواريه الغياب ، أزمنةً في زمانٍ، وشعراء في شاعر ، ودواوينً في ديوان، فنلوذ بك ، كأنك حائط مبكى الشعراء.
كم باسمك يا عبدالله تمتطى الموجات ، لكنها لا تتاخم شطآنك ، مثلما ضلّت عن أعماقك ، تتقاذفها جزرٌ كنت تعلم أنها وطنٌ يبعثره الحواةُ من كل صنف، وكما في السياسة ثمة طوابير السخافة:
يا براميل القمامات ، إلى أين تمضينَ؟... إلى دور الثقافة
كل برميلٍ إلى الدُّورِ؟ نعم وإلى المقهى..؟ جواسيس الخلافة
ثم ماذا..؟ ورصيف مثقلٌ برصيفٍ... يحسب الصمتَ حصافة









