حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
عبدالرحمن منيف.. فناناً

عبدالرحمن منيف.. فناناً

         إياد كنعان*

 

   لطالما رغبت في تناول المبدع العربي الكبير عبد الرحمن منيف بالدراسة والبحث، ليس بوصفه روائيا عربيا كبيرا كما اعتاد النقاد تناوله، ولكن بوصفه 'فنانا تشكيليا' شهدت ولادة بعض أعماله الفنية، كان ذلك قبل وفاته بعدد من السنوات. كان الفنان مروان قصاب باشي ضيفا على (أكاديمية دارة الفنون الصيفية)، حيث شاركه عبد الرحمن منيف في دورتها الاولى العام 1999، مكسبا إياها أهمية استثنائية، وزخما إبداعيا لم يتوافر للدورات التي تلتها، قبل أن تتوقف لأسباب نجهلها. كنت في ذلك الوقت بالكاد انهيت دراستي الجامعية الاولى، بعد أن عدت أدراجي الى عمّان، شابا محملا بقليل من الامل وكثير من الخيبات، في ذلك العام دعت دارة الفنون مؤسسة عبد الحميد شومان، قبل أن تتحول الى مؤسسة خالد شومان، الى ورشة عمل للفنانين العرب الشباب يشرف عليها الفنان السوري الألماني المغترب مروان قصاب باشي، وحدث أن كنت مشاركا في تلك الورشة، في فوجها الاول، التي فتحت وعيي على نمط آخر من التعاطي مع اللوحة، مغايرا تماما لما كنت قد خبرته في دراستي الاكاديمية. لقد تشرفت في ذلك العام بلقاء هذا المبدع العمَّاني المولد، وعائلته الصغيرة الجميلة، وهو لقاء أعتز به، وحدث اعتبره مهما في حياتي الشخصية، فلقاء مبدع كعبد الرحمن منيف ليس بالحدث العابر، أن تقترب منه، أن تراقب حركاته وسكناته، وردود أفعاله، أن تستمع الى حديثه السلس الوقور المشبع بالحكمة، كلها صور تحضرني كلما مررت بدارة الفنون، أو كلما وقعت عيناي على أحد أعماله الروائية، خاصة عمله الروائي (سيرة مدينة)، التي أعاد منيف من خلالها صياغة علاقته بمدينته الاولى عمّان، حيث ولد وعاش حتى أصبح شابا يافعا، ثم غادرها لتتلقفه مدن عدة، كان آخرها دمشق حيث يرقد بسلام بين جنباتها، متوسدا ياسمينها الابيض، متكفنا بنهرها (بردى)، وببحر من ذكريات. أستحضر صورة عبد الرحمن منيف، هو والفنان مروان قصاب باشي، وقد تحلقنا حولهما، في محترف دارة الفنون للغرافيك، الذي يحتل الطابق السفلي من بيت سكنه يوما غلوب باشا، ثم قامت بشرائه وترميمه مؤسسة عبد الحميد شومان مع مجموعة من المنازل المحيطة به، لتتحول في مجملها الى مؤسسة ثقافية تعنى بالفنون البصرية والتشكيلية. كان عبد الرحمن منيف يضع فوطة بيضاء على خصره لتحميه من سواد الحبر، بينما يقبض بيده اليسرى على قطعة من الزنك قام بحفرها وتحبيرها، ممسكا بيده اليمنى قطعة من القماش مخصصة لإزالة الحبر الزائد عن القطعــــة، ثم يقوم بطباعتها بمساعدة صديقه الفنــــان مروان، أذكر ارتباك عبد الرحمـــــن منيف، فيداه لم تألفا مثل هذا العمل، أذكر بهجته وابتسامته لرؤيته النتيجة الاولية للطباعة، أذكر دهشــته والتماع عينيه وانفعالات وجهه وفرحته بتلك التجربة، التي كانت الاولى بالنسبة له، فرح مروان أيضا بها، كان مروان يحاول استدراج صديقه الروائي للاشتباك أكثر مع منتج بصري تلعب فيه الاداة والوسيط أهمية كبرى.
لقد أضاء الفنان السوري مروان قصاب باشي ذلك الجانب الخفي من ولع عبد الرحمن منيف بعالم الشكل والفن التشكيلي، ونبه القارئ العربي، في مقدمته لرواية (سيرة مدينة-عمان في الاربعينات) بطبعتها الجديدة، التي حملت عنوان:(عندما يرسم الكاتب)، إلى أهمية المخطوطات التي انجزها عبد الرحمن منيف لشخصيات روايته (سيرة مدينة)، بصفتها جانبا خفيا من موهبة هذا المبدع، التي تجاوزت فعل السرد والبناء الروائي المحكم، الى ارتجالات تصويرية سريعة عفوية، هي مساحة أخرى غابت عن ذهن الدارسين والباحثين في إرث عبد الرحمن منيف الابداعي، وغابت لا شك عن ذهن متذوقي أدب هذا المبدع.
وبما عهدنا عنه من رؤية ثاقبة فاحصة ذات طابع (استرجاعي) للسطح التصويري، تناول مروان قصاب، الذي ربطته علاقة صداقة قوية بعبد الرحمن مثلما ربطته علاقة وثيقة باللغـة، بالبحث التخطيطات القليلة التي تركها عبد الرحمن منيف قبل وفاته، وعلاقتها بالمتخيل الصوري الثري لدى عبد الرحمن، الذي أمده بكل تلك الصور التي حاول تجسيدها رسمــا قبل أن يتناولها بالكتابة، محاولا القبض عليها بخطــوطه، واستحضارها في مخيلته، ورسم ملامحها على الورق قبل هروبها وتلاشيها، وهو العارف بحساسية اللحظـــة الابداعية وتمنعها، لحظة تأتي مثل ضوء خافت يشتد ويخبو، أو كأن تلك الصور والمشاهد الحية الحاضرة في وجدانه فاضت عن لغته لتغــــزو مساحة إبداعية أخرى هي مساحة الشكل، عبر حوار بصري يصنعــه الروائي ليستدرج ذاكرته الصورية لتستغرق اكثر في الشخصية، كيف لا وهو رسام بارع احسن رسم ملامح شخصياته الروائية بلغة دافقة حية، مكسبا إياها لحما ودما من لغة.
عبر تلك الدراسة المطولة، سلط مروان الضوء على نتاج عبد الرحمن التخطيطي (sketchings)، ساردا قصة اكتشافه لذلك الجانب الخفي من شخصية منيف، تلك القصة التي ابتدأت العام 1996، بزيارة متعمدة الى (صومعة) عبد الرحمن منيف، التي شهدت ولادة عدد من أعماله الادبية، تلك الزيارة لم تكن عفو الخاطر، بل كانت بتحريض من صديقهما المشترك (يورن ميركرت)، الذي نبه مروان الى وجودها، فكانت مفاجأته بصديقه الروائي الذي تستر على ذلك الفنان الذي سكنه.
لقد عرَّج مروان في مقدمته تلك على بعض التجارب العالمية التي زاوجت بين الادب بشتى اشكاله، وبين الفن التشكيلي، مستشهدا بجبران، وجبرا إبراهيم جبرا، وهنري ميشو، وفيكتور هيغو، وأندريو ميسون، وغيرهم، كأمثلة على هذا النوع من الحضور الابداعي المتنوع في الارث العالمي والعربي.
لقد نظر عبد الرحمن منيف باحترام بالغ الى النتاج التصويري والفني الانساني بمخـــتلف أصنافه وتوجهاته، فهو المثقف القارئ واسع الاطلاع، مارس شغفه باللغة التصويرية من خلال قراءته الجمالية لأعمال عدد من الفنانين أمثال جبر علوان ومروان قصاب باشي، وحواره المتواصل معهما، وهذا يؤكد شغف عبد الرحمن منيف التصويري الذي مارسه دون أن يعترف هو نفسه به، وليبقى هذا النشاط موضع شك وارتياب بالنسبة لعبد الرحمن منيف، هذا الارتياب والشك أكسب اعماله التخطيطية اهمية استثنائية، ففعل اليقين الذي يلزم الانسان في بعض جوانب حياته، قد لا يلزمه في أمور أخرى، فاليقين الزائد مقتلة الابداع، وانا هنا لا اقصد اليقين بالله، فهذا امر آخر، ولكن في تقديري يلزمنا القليل من اليقين والكثير من الشك فيما نصنعه أو نكتبه حتى نقوم بأعمال إبداعية عظيمة.
إن إهمال الجانب التصويري والثقافة البصرية من حياتنا الثقافية العربية، حد الى درجة كبيرة من اهتمام الاعلام والدارسين بهذا الجانب الذي اعتبره مروان قصاب باشي موازيا لخط عبد الرحمن منيف السردي، فقد عمد عبد الرحمن الى رسم شخوصه بالقلم بما يشبه الاستحضار التشخيصي للشخصية الروائية التي ينوي تناولها في عمله، وبما يؤشر الى أن عبد الرحمن منيف تنبه الى أهمية المخيلة البصرية في رسم ملامح شخصياته الروائية بشكل خاص، وبأثر هذه المخيلة على النتاج الابداعي للكاتب والروائي بشكل عام.
في تلك الورشة التي استمرت لمدة شهر تقريبا، وقَّع عبد الرحمن منيف ولأول مرة في مسقط رأسه عمان، أي من نتاجه الابداعي، وهي مجموعة (مدن الملح) إن لم تخنِّي الذاكرة، لم أتمكن حينها من شراء تلك المجموعة أو توقيعها، واكتفيت بمتابعة الحدث أنا وصديقي الفنان الباكستاني عاطف خان، الذي أنقذني أثناء إلقاء عبد الرحمن لكلمته، من لسعة عقرب كانت تقترب من ساقي المكشوفة، التي اسندتها إلى أحد جدران دارة الفنون العتيقة، متوحدا بالحدث، ربما لم أدرك حينها أهمية تلك اللحظة الحميمية لعبد الرحمن منيف، لكنها كانت حتما لحظة استثنائية، لحظة لقاء غير عادية بمدينة ولد فيها وعاش فيها وحصل منها على شهادته الثانوية العامة، مدينة غادرها شابا مفعما بالامل، وعاد إليها روائيا كبيرا مفعما بالحكمة وكثير من الشيب.
تسع سنوات مرت على لقائي بمنيف، وأربع سنوات مرت على رحيله، ولم يزل هذا المبدع الكبير ينال ما يناله في مسقط رأسه عمّان التي شكلت عالمه الأول، كل هذا التجاهل سواء على صعيد المؤسسة الثقافية الرسمية أو الخاصة، بحيث يغيب عن الأدبيات الثقافية الاردنية، فلا يأتي أحد على التذكير به بوصفه ابنا شرعيا لهذه المدينة، فعادة ما يوصف على أنه كاتب من أب سعودي وأم عراقية، دون أن يؤبه بكل تلك السنين التي عاشها وقضاها في عمان بوصفها حاضنته الاولى، ومصدر إلهامه في كثير من أعماله الروائية التي استندت في تقديري الى الذاكرة الشعبية العمانية، في مرحلة مبكرة من مراحل تشكلها المديني، وكأن قرية قصيباء في بريدة بمنطقة القصيم بوسط السعودية التي ينحدر منها والده الذي عمل تاجرا بين السعودية وبلاد الشام، أقرب له من عمَّان حيث ولد وعاش جزءا ليس يسيرا من حياته.
ولد عبد الرحمن منيف في منزل يقع على مقربة من منطقة رأس العين وسط مدينة عمان، قلة قليلة من العمانيين يعرفون هذا المنزل أو يستطيعون تحديد مكانه، وهو منزل من الجدير اتخاذ قرار فوري بتحــويله الى متحف يضم تخطيطاته التي تناولت شخصيات روايته 'سيرة مدينة'، بما يشبه الاحتفاء بهـــــذا المبدع، بصفته ابن مدينة عمّان الشرعي، وليس بوصفه دخيلا أو طارئا عليها، قبــل أن يلتهم هذا البيت داء الهدم والازالة، الذي بات ينتشر في مدينة عمَّان كما الــــــطاعون، فيتحول إلى معلم ثقافي وحضاري من معالم المدينـــــة، ولتتحول الذكرى السنوية لميلاد عبد الرحمن منيـــــف الى مناسبة ثقافية للتذكير بهذا المبدع، واستعادة نتاجه الابداعي، بما يستحقه من أهمية.
فليس أكثر بهاء لعمَّان، من أن يولد فيها ويعيش بين جنباتها مبدع بحجم عبد الرحمن منيف، يستحق منا أن نتذكره دوما، خاصة للعمانيين الذين يعيشون روايته (سيرة مدينة)، بكثير من تفاصيلها كل يوم، وكأن عمان الاربعينيات هي عمان اليوم، فعبد الرحمن لم يرسم ملامح طفولته في مدينته عمان فحسب، بل رسم ملامح مدينة كانت بالنسبة له حية أكثر من أي شيء آخر، ولتبقى روح عبد الرحمن تتجول في المدينة تتلمس الاماكن وتتجول في الطرقات والازقة، فالارواح عادة ما تحن إلى مسقطها، وكلما وقعت عيناك على طفل صغير يصعد أحد أدراج عمان الكثيرة مهرولا عائدا الى منزله، حاملا على ظهره حقيبته المدرسية الثقيلة، بعد أن يرمقك بنظرة ملؤها تحد وتصميم، تذكر أن ذلك الطفل بقدميه الصغيرتين وصندله الصغير، ربما سيكون يوما ما (عبد الرحمن منيف) آخر، ليكتب مرة أخرى (سيرة مدينة) لا تكف عن الولادة والتولد.


*فنان تشكيلي من الأردن iyadkanan@hotmail.com

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية