عندما تحول التعليم الى خدمة الصفوة وقعت الكارثة!
كتاب جديد حول أزمة الجامعات العربية
أزمة التعليم الجامعي في العالم العربي، كانت ولا تزال مثار الحديث والنقاش، خصوصا وقد خرجت كل جامعاتنا من التصنيف العالمي لأفضل الجامعات في العالم، ويشتد الحديث عن تلك الأزمة، كلما جرى طرح موضوع تطوير التعليم، فتعقد المؤتمرات والندوات، وينفعل المتحدثون ويشيرون إلى مواضع الخلل، وينفض المولد، ونخرج بلا شيء، أين الخلل إذن؟ إذا كنا نعرف مواطن الضعف، ومناطق القصور في تعليمنا فماذا نحتاج لكي نطوره؟ هل تلاشى إخلاص المعنيين بالأمر؟، أم إنه القرار السياسي الذي يتوقف كل شيء في حياتنا عليه؟. هذه هي الخلفية التي دفعت الدكتور يوسف سيد محمود إلى إصدار كتابه 'أزمة الجامعات العربية' عن الدار المصرية اللبنانية ضمن سلسلة آفاق تربوية، وهو عبارة عن ثلاث دراسات كبرى، تحيط بأبعاد أزمة التعليم الجامعي في العالم العربي نظريا من خلال البحث عن الأسباب المؤدية إلى تلك الأزمة، وعمليا ـ في القسم الثالث ـ عن عمليات الشراكة القائمة بين الجامعة في المجتمعات العربي، وبين المؤسسات الإنتاجية فهل تراعي الجامعات حاجة هذه المؤسسات في خريجيها، وبالتالي تؤهلهم لتلك الحاجة؟ أم أن العلاقة مفقودة بين المؤسستين؟.
اتبعت الدراسة في قسميها النظر بين المنهج التاريخي.
ويقول الدكتور حامد عمار في تقديمه للكتاب: نظرا لأن كثيرا من كتابتنا وبحوثنا التربوية ذات المنهج الامبريقي تنظر إلى الصور المشاهدة للوقائع والمعطيات المعاشة، كما لو أنها ليست لها صلة بآبائها وأجدادها، ومنبتة الصلة بأزماتها السالفة.
الأول: سيطرة الدولة على الجامعة وسريان روح الالتزام لدى أساتذتها مما أدى إلى عدم السماح للجامعة بالانطلاق لمناقشة قضايا اجتماعية دقيقة ومحددة من خلال الميدان او الواقع، مما جعل البحث الجامعي يأخذ الصفة الأكاديمية المطلقة ويميل في معظمه للتنظير بعيدا عن مجريات الأحداث الواقعية، ويفقده هذا جانبا كبيرا من أهميته وجدواه.
وكذلك افتقاد الباحث الجامعي هوية مهنية قوية كعضوية الروابط أو الجمعيات العلمية، تمكنه من الوصول المنظم إلى الميدان أو الحصول على تعاون السلطات، وحتى إذا وجدت مثل هذه الهيئات فإنها تعامل من قبل الدولة معاملة الجمعيات الخيرية، وليس معاملة النقابات المهنية والتي تعطي نوعا من الحماية لأعضائها.
الثاني: اعتماد الدولة على ما أنشأته من أجهزة بحثية خارج نطاق الجامعات كالمراكز القومية للبحوث ومعهد التخطيط، والمجالس القومية المتخصصة الأمر الذي يعني تخلي الدولة بالكلية عن التعليم الجامعي، وخلق كوادر تخدم الوزارات المختلفة والسياسات المتباينة حسب الوزارة التي يعملون فيها.
يتضمن الكتاب العديد من القضايا المهمة المتعلقة بالجامعات والتعليم الجامعي، حيث ركز الفصل الثاني على كيفية تعامل جامعاتنا مع ظاهرة العولمة، وهل جامعاتنا قادرة على ذلك في ظل التوجهات الفكرية خارجها وغلبة الصراع على التيارات الفكرية في الحياة الثقافية العامة، وهو ما لخصه زكي نجيب محمود حين قال 'إن العقل العربي يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، ولا يفكر إلا انطلاقا من أصل أو انتهاء إليه أو بتوجيه من الأصل الذي يحمل من سلطة السلف إما في لفظه أو في معناه وأن آلية هذا العقل في تحصيل المعرفة ولا نقول في إنتاجها هي المقاربة أو التيار البياني والمماثلة أو القياس العرفاني، وأنه من كل ذلك يعتمد التجويز كمبدأ، كقانون عام يؤسس منهج التفكير ورؤيته للعالم، هذه الآلية التي لمسها زكي نجيب محمود أسهمت في فشل النخب الثقافية بشكل عام كسبب ونتيجة في الوقت نفسه لانهيار التعليم الجامعي.
ويقف الكتاب أمام الفجوة القائمة بين الجامعة والمؤسسة الإنتاجية والخدمية ليكون الفصل الثالث تطبيقا عمليا للأفكار النظرية السابقة، ومحاولة اختبار مدى صحتها في الواقع من عدمه، فرؤية أساتذة الجامعة تتناقض كليا مع رؤية أصحاب المؤسسات الخدمية والإنتاجية، والخلاصة انه لا تزال علاقة مؤسسات التعليم العالي بمجتمعها المحلي تقف عند حدود الأمنيات والتي قد تحمل الوعي بأهميتها وضرورتها والحماس لإقامتها، فيما تشير نتائج الدراسة الميدانية، إلى شكلية هذه العلاقة، حيث تقف عند حدود المشاركة في تنظيم وتنفيذ بعض برامج التدريب وتقديم بعض الاستشارات أو تقديم تفسير وبحث لأسباب بعض المشكلات أو الكوارث الطارئة كانهيار العمارات، أو حوادث القطارات أما تلك القضايا المرتبطة بجوهر عملية التنمية وخصوصا تلك التي تحتاج إلى مشاركات في قضايا البحث والتطوير فتكاد تكون المشاركات حولها معدومة.
في الفصل الختامي لكتابه يقول المؤلف انه على الرغم من الدعوات المستمرة منذ زمن بعيد للربط بين التعلم العالم واحتياجات التنمية المختلفة، فإن هذا النوع من التعليم لم يكن له الأثر الفعال على الجوانب المختلفة لعملية التنمية، ويرجع المؤلف ذلك إلى أن مثل هذه الدعوات على أهميتها لم تكن في يوم من الأيام تابعة من تصورات شاملة لاستراتيجية إنمائية على بعد زمني طويل ومتصل، وإنما كانت تمثل ردود فعل لإشكاليات جزئية في التعليم والتنمية.
ويرى الدكتور يوسف محمود أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب أولها أن مصر اتبعت لفترة طويلة تتعدى ثلاثة عقود استراتيجية في التنمية، كانت تقوم على فكرة الإحلال محل الواردات، وبالتأكيد كان هناك العديد من المبررات التي قدمت للأخذ بهذه الاستراتيجية، ويرى أن تأثير ذلك على الطلب الاجتماعي للمعرفة اثر على عملية إنتاج المعرفة محليا، ويقول مردفا: سياسة الإحلال محل الواردات ركزت على الصناعات الاستهلاكية على حساب الوسيطة والرأسمالية، ويضيف انه نظرا لأن هذه السياسة التنموية لم تحكمها عملية المنافسة في الإنتاج، وقامت على تقليد المنتجات في الدول الأخرى، كما ركزت على المنتجات الاستهلاكية باعتبار أنها الأكثر طلبا.
ويضيف يوسف محمود أنه على الرغم من تعدد المشروعات الكبرى التي تمت في مصر منذ ثورة يوليو وحتى الآن والتي كان من الممكن للجامعات ان تتطور من خلال المشاركات فيها، وأن تكتسب من وراء ذلك خبرة الانفتاح على المجتمع، ويكتسب أعضاء هيئة التدريس فيها ثقافة المشاركة، فإن جامعاتنا ارتضت لنفسها ان تعيش على الهامش من هذه المشاريع ولم تستطع فرض نفسها عند مناقشة وإقرار معظم هذه المشاريع الكبرى، ذات الأبعاد التقنية بعيدة المدى، لذا لم يتح للجامعات تراكم خبرة المشاركة بما تشمله هذه الخبرة من مهارات وقيم ونظم بحث وانساق معرفة، فجامعاتنا ـ حسب المؤلف ـ لم تكن مدعوة يوما بشكل جدي لدراسة مشروعات كالسد العالي، أو إنشاء المصانع الكبرى، أو لإبداء الرأي حول الإصلاح الزراعي، أو في المجتمعات العمرانية الجديدة، وغير ذلك كثير من المشاريع.
ويضيف المؤلف أن التباعد زاد بين جامعاتنا والمؤسسات الإنتاجية والخدمية بسبب التوجه الذي أخذنا به في عملية نقل التكنولوجيا، حيث يقوم هذا التوجه على مقولة ان ما لدى الدول الصناعية الكبرى من رصيد ضخم من المعرفة بتطبيقات العلم متاح للدول النامية ان تستفيد منه، وأن ذلك يعد شرطا أساسيا لتسارع وتيرة التنمية لديها، ويرى أن في هذه المقولة حثاً صريحاً على اتباع وتقليد الغرب سواء في التكنولوجيا أو في نظم الإنتاج.
يقع الكتاب في 240 صفحة من القطع الكبير وصدر عن الدار المصرية اللبنانية.
اتبعت الدراسة في قسميها النظر بين المنهج التاريخي.
ويقول الدكتور حامد عمار في تقديمه للكتاب: نظرا لأن كثيرا من كتابتنا وبحوثنا التربوية ذات المنهج الامبريقي تنظر إلى الصور المشاهدة للوقائع والمعطيات المعاشة، كما لو أنها ليست لها صلة بآبائها وأجدادها، ومنبتة الصلة بأزماتها السالفة.
الأول: سيطرة الدولة على الجامعة وسريان روح الالتزام لدى أساتذتها مما أدى إلى عدم السماح للجامعة بالانطلاق لمناقشة قضايا اجتماعية دقيقة ومحددة من خلال الميدان او الواقع، مما جعل البحث الجامعي يأخذ الصفة الأكاديمية المطلقة ويميل في معظمه للتنظير بعيدا عن مجريات الأحداث الواقعية، ويفقده هذا جانبا كبيرا من أهميته وجدواه.
وكذلك افتقاد الباحث الجامعي هوية مهنية قوية كعضوية الروابط أو الجمعيات العلمية، تمكنه من الوصول المنظم إلى الميدان أو الحصول على تعاون السلطات، وحتى إذا وجدت مثل هذه الهيئات فإنها تعامل من قبل الدولة معاملة الجمعيات الخيرية، وليس معاملة النقابات المهنية والتي تعطي نوعا من الحماية لأعضائها.
الثاني: اعتماد الدولة على ما أنشأته من أجهزة بحثية خارج نطاق الجامعات كالمراكز القومية للبحوث ومعهد التخطيط، والمجالس القومية المتخصصة الأمر الذي يعني تخلي الدولة بالكلية عن التعليم الجامعي، وخلق كوادر تخدم الوزارات المختلفة والسياسات المتباينة حسب الوزارة التي يعملون فيها.
يتضمن الكتاب العديد من القضايا المهمة المتعلقة بالجامعات والتعليم الجامعي، حيث ركز الفصل الثاني على كيفية تعامل جامعاتنا مع ظاهرة العولمة، وهل جامعاتنا قادرة على ذلك في ظل التوجهات الفكرية خارجها وغلبة الصراع على التيارات الفكرية في الحياة الثقافية العامة، وهو ما لخصه زكي نجيب محمود حين قال 'إن العقل العربي يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، ولا يفكر إلا انطلاقا من أصل أو انتهاء إليه أو بتوجيه من الأصل الذي يحمل من سلطة السلف إما في لفظه أو في معناه وأن آلية هذا العقل في تحصيل المعرفة ولا نقول في إنتاجها هي المقاربة أو التيار البياني والمماثلة أو القياس العرفاني، وأنه من كل ذلك يعتمد التجويز كمبدأ، كقانون عام يؤسس منهج التفكير ورؤيته للعالم، هذه الآلية التي لمسها زكي نجيب محمود أسهمت في فشل النخب الثقافية بشكل عام كسبب ونتيجة في الوقت نفسه لانهيار التعليم الجامعي.
ويقف الكتاب أمام الفجوة القائمة بين الجامعة والمؤسسة الإنتاجية والخدمية ليكون الفصل الثالث تطبيقا عمليا للأفكار النظرية السابقة، ومحاولة اختبار مدى صحتها في الواقع من عدمه، فرؤية أساتذة الجامعة تتناقض كليا مع رؤية أصحاب المؤسسات الخدمية والإنتاجية، والخلاصة انه لا تزال علاقة مؤسسات التعليم العالي بمجتمعها المحلي تقف عند حدود الأمنيات والتي قد تحمل الوعي بأهميتها وضرورتها والحماس لإقامتها، فيما تشير نتائج الدراسة الميدانية، إلى شكلية هذه العلاقة، حيث تقف عند حدود المشاركة في تنظيم وتنفيذ بعض برامج التدريب وتقديم بعض الاستشارات أو تقديم تفسير وبحث لأسباب بعض المشكلات أو الكوارث الطارئة كانهيار العمارات، أو حوادث القطارات أما تلك القضايا المرتبطة بجوهر عملية التنمية وخصوصا تلك التي تحتاج إلى مشاركات في قضايا البحث والتطوير فتكاد تكون المشاركات حولها معدومة.
في الفصل الختامي لكتابه يقول المؤلف انه على الرغم من الدعوات المستمرة منذ زمن بعيد للربط بين التعلم العالم واحتياجات التنمية المختلفة، فإن هذا النوع من التعليم لم يكن له الأثر الفعال على الجوانب المختلفة لعملية التنمية، ويرجع المؤلف ذلك إلى أن مثل هذه الدعوات على أهميتها لم تكن في يوم من الأيام تابعة من تصورات شاملة لاستراتيجية إنمائية على بعد زمني طويل ومتصل، وإنما كانت تمثل ردود فعل لإشكاليات جزئية في التعليم والتنمية.
ويرى الدكتور يوسف محمود أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب أولها أن مصر اتبعت لفترة طويلة تتعدى ثلاثة عقود استراتيجية في التنمية، كانت تقوم على فكرة الإحلال محل الواردات، وبالتأكيد كان هناك العديد من المبررات التي قدمت للأخذ بهذه الاستراتيجية، ويرى أن تأثير ذلك على الطلب الاجتماعي للمعرفة اثر على عملية إنتاج المعرفة محليا، ويقول مردفا: سياسة الإحلال محل الواردات ركزت على الصناعات الاستهلاكية على حساب الوسيطة والرأسمالية، ويضيف انه نظرا لأن هذه السياسة التنموية لم تحكمها عملية المنافسة في الإنتاج، وقامت على تقليد المنتجات في الدول الأخرى، كما ركزت على المنتجات الاستهلاكية باعتبار أنها الأكثر طلبا.
ويضيف يوسف محمود أنه على الرغم من تعدد المشروعات الكبرى التي تمت في مصر منذ ثورة يوليو وحتى الآن والتي كان من الممكن للجامعات ان تتطور من خلال المشاركات فيها، وأن تكتسب من وراء ذلك خبرة الانفتاح على المجتمع، ويكتسب أعضاء هيئة التدريس فيها ثقافة المشاركة، فإن جامعاتنا ارتضت لنفسها ان تعيش على الهامش من هذه المشاريع ولم تستطع فرض نفسها عند مناقشة وإقرار معظم هذه المشاريع الكبرى، ذات الأبعاد التقنية بعيدة المدى، لذا لم يتح للجامعات تراكم خبرة المشاركة بما تشمله هذه الخبرة من مهارات وقيم ونظم بحث وانساق معرفة، فجامعاتنا ـ حسب المؤلف ـ لم تكن مدعوة يوما بشكل جدي لدراسة مشروعات كالسد العالي، أو إنشاء المصانع الكبرى، أو لإبداء الرأي حول الإصلاح الزراعي، أو في المجتمعات العمرانية الجديدة، وغير ذلك كثير من المشاريع.
ويضيف المؤلف أن التباعد زاد بين جامعاتنا والمؤسسات الإنتاجية والخدمية بسبب التوجه الذي أخذنا به في عملية نقل التكنولوجيا، حيث يقوم هذا التوجه على مقولة ان ما لدى الدول الصناعية الكبرى من رصيد ضخم من المعرفة بتطبيقات العلم متاح للدول النامية ان تستفيد منه، وأن ذلك يعد شرطا أساسيا لتسارع وتيرة التنمية لديها، ويرى أن في هذه المقولة حثاً صريحاً على اتباع وتقليد الغرب سواء في التكنولوجيا أو في نظم الإنتاج.
يقع الكتاب في 240 صفحة من القطع الكبير وصدر عن الدار المصرية اللبنانية.
'القدس العربي'









