سعيد الجريري
و بعد حين ...
يهمُّ بالتفاؤل ، يهمُّ به التفاؤل ، يتشاءل كسعيد أبي النحس ، يحاول أن يبقى بينَ بينَ - مادام الدرب إلى التفاؤل مضرّجاً بورد أسود - يجترح ابتسامة من عتمة بيضاء كالدم ، يتمتم بكلمات غامضة كالشمس ، تلفه عيّنة جديدة من الحزن ، تبحث الأحزان في الأحزان عن وتر باكٍ وعن حلق ربابة.
يستجمع البردونيَّ في أكمام لغته الذابلة ، تسعل الأشجار ، تحسو ظلها ، تجمد الساعات من برد الرتابة ، ههنا الحزن على عادته ، فلماذا اليوم للحزن غرابة ؟ ينزوي كالبوم يهمي كالدبى ، يرتخي ، يمتد ن يزداد رحابة ، يلبس الأجفان ، يمتص الرؤى ، يلتوي مثل الأفاعي ، يغتلي كالـمُدَى العطشى ، ويسطو كالعصابة.
يستجمع البردوني في أوقات الصقيع الأسود : كان للمألوف لون وشذى.. كان للمجهول شوق ومهابة.
يتململ تشاؤلاً وتفاؤماً ، يرى بلاداً كأنها إرَم ، يفتش عنها ، عنه ، فيها ، يرى فيها كل شيء إلا هي وهو .. يقف ويستوقف ، يبكي ويستبكي ، تتجمهر حوله القصائد ..يشعر بحنين إلى رحم قديم ، يعبق برائحة ليس له من قاعها ذرة ولا في فضائها نسمة ، كأنه فيها عابر سبيل ، وثمة حوله حشود ممن تمنى المتنبي ألا يمتد به الزمن حتى يراهم .. يغمغم:
لماذا الذي كان مازال يأتي؟ لأن الذي سوف يأتي ذهب!!
لأن أبــا لهب لم يمت... وكل الذي مات ضوء اللهب!.
وفي لحظة تستبد به كآبة الغيم الشتائي، دجى الموتى ، أحزان البيوت ، يسائل رؤى الليل ، وعيون الظهيرة عنه .. يمضي بلا منفى ، بلا سكن ، بلا حلم ، بلا ذكرى ، بلا سلوى ، بلا حزَن ، بلا ماضٍ ، بلا آتٍ ، بلا سر ، بلا علن.. حتى الزمان بلا زمان ، والمكان بلا قضية.
تنثني سفن جحيمه ، تعود من الآتي إلى تاريخٍها الوثني.. حسناً.. فليكن... لكنّ في صمته موتاً أصبح موطناً ، حين أمسى وطن هو منه أوحشَ غربة!! ، حيث يستوي في الزمن السمسار من يلهم الهجوَ ، ومن يغري الإشادة!!
الدجى يهمي ، وهذا الحزن يهمي مطراً من سهده يظما ويظمي
مؤرَّقاً يهاذي آخرَ داخلَه : هل كفى يا أرض غيثاً؟ .. لم تعد تغسل الأمطار ، أوجاعي وعقمي..
ثمة ركام يزدحم عليه ، كأضرحة سوداء.. هل يسب الدجى أم يضيء الشموع؟.. هل يبكي؟ لن يغير دمعه أيّ شيء من وضع غيره ووضعه. يصمت ، ينثال داخله: إنما لو...........!!
ثمة ضحى يتلامح من بعيد.... ينتقي تحته وجوهه المنزهة .. يمضي وينسى خلفه ، عاداته المسفّهة.. يفنى بكل ذرة من أرضه المؤلهة.. يحس بأنه بلا ....!!.
ينسلّ خفيفاً كرذاذ ، يرنو إلى أفق بعيد.. بعيد : السلام عليك يا عبدالله .. السلام عليك.. ها إني هنا مثلك:
تمتصني أمواج هذا الليل في شــرهٍ صموت
وتعيد ما بدأت ، وتنوي أن تفوت ...ولا تفوت
فتثير أوجاعي .. وترغمني على وجع السكوت
وتقول لي: مت أيها الذاوي...فأنسى أن أموت








