حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
مَسألةُ الكحل!..سعيد الجريري

مَسألةُ الكحل!

 

      د.سعيد الجريري

 

           (1)

        ليس الكُحل، أو الإثمِد بتعريف المعجم العربي، معدوداً في الأحجار أو المعادن ذات الأهمية الاقتصادية المعاصرة التي تؤهلها لتغدوَ مسألة من المسائل المؤثرة في مصائر الشعوب والأمم، أو في شبكة المطامع أو المصالح أو العلاقات الدولية، قبل العولمة أو بعدها، وليس للكحل ومسألته المثبتة في العنوان، علاقةٌ بمسائلَ أخرى تم تداولها في غير حقلٍ وعصرٍ، كالمسألة الشرقية في القرن التاسع عشر التي اشتبكت بسببها الدول الأوروبية في سلسلة من الخلافات حول تقسيم أملاك الرجل المريض (الدولة العثمانية) الناجم عن ضعفها، أو كالمسألة الأساسية في الفلسفة المتمحورة حول علاقة المادة بالوعي، التي أشبعها تداولاً مُنظِّرو الماركسية ودارسوها إبّان رواجها، كما أنْ لا صلةَ لمسألة الكحل هنا أيضاً بالتجميل وتقنياته القديمة والحديثة، أو بالتراث العربي ولاسيّما البدوي في جماليات الكحل والتكحّل، التي كثيراً ما تفنّن الشعراء والزجّالون في التعبير عنها وتصويرها، إذْ أفردوا لها في أشعارهم وأزجالهم، مساحات تليق بها وبجمال العيون الموصوفة وسحرها.

       مسألة الكحل المعنيَّة هنا هي واحدة من المسائل التي ارتبطت تسميتها لدى شيوخ العربية بالمثال أو الشاهد، كلُغةِ ( أكلوني البراغيث ) المستضعفة، التي يجتمع فيها- على غير المهيمن في النحو- فاعلانِ لفعلٍ واحد، هُما واو الجماعة والبراغيث، إذ ينبغي أن يقال: أكلني البراغيث. لكنَّ مَن يستضعف تلك اللغة يُرَدّ عليه، ويُحتَج بتسميةٍ أخرى موازيةٍ موسومةٍ بشاهدٍ آخرَ من الحديث النبوي، هي لغةُ ( يتعاقبون فيكم ملائكة)، لا ( أكلوني البراغيث)، فينتفي الضعف المزعوم نفياً يمتد أثره امتدادَ ما بين البراغيث والملائكة من بَونٍ لا يُحَد، في الشاهد، والفعل، والدلالة، والسياق. ولا غروَ، فتسمية المسألة بشاهدها في اللغة والنحو متسقة مع تسمية القصيدة بقافيتها أو مطلعها في الشعر والأدب، وتلك صورة للعنونة كانت شائعة عند العرب.

      مسألة الكحل، وتلك هي تسميتها عند علماء النحو العربي، هي- لمن بَعُدَ به العهد عن النحو ومسائله:أن يَرفعَ أفعلُ التفضيلِ الاسمَ الظاهرَ، ويكون ذلك إذا حل أفعل التفضيل محل الفعل مع الموافقة في المعنى. وضابطه إذا كان أفعل التفضيل صفةً لاسمِ جنس، وسبقَهُ نفيٌ، وكان مرفوعُهُ أجنبياً مفضَّلاً على نفسه باعتبارين مختلفين. وذلك نحو:( ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد ). وهنا تُعرب كلمة ( أحسن ) على أنها مفعول به ثانٍ للفعل ( رأى )، وتُعرب كلمة الكحل على أنها فاعل لاسم التفضيل (أحسن). وقد سمعها سيبويه برواية أخرى: (ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه الكحلُ منه في عين زيد ). وبذلك تجوز الرواية بالوجهين، على اعتبار أنّ ( أحسن )، بالرواية الثانية، مبتدأ مرفوع، والكحل: خبرٌ مرفوعٌ، والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر في محل نصبٍ نعتٌ لكلمة ( رجلاً ).

             (2)

       بقيَ في نفسي شيءٌ من هذه المسألة منذ حين، وبات منها في خيالي أطيافُ مَعانٍ أُغالبُ حدسَها، فمنها ما يتعلق بطبيعة الشاهد النحوي نفسه، ومنها ما يشير إلى اقتران الكحل بغير المؤنث، كما هو السائد في ديوان الشعر العربي، فظلت تساؤلات الهجس تراودني عن تركيب الشاهد، وخلفيته الثقافية، حيث لا مندوحة من تعليق خارج السياق النحوي. فالموصوف بحسن الكحل في عينه رجلٌ لا امرأة، وهو ليس حسناً معتاداً. إنه حسنٌ مفضّلٌ على غيره، والأكحل ليس أي رجل. إنه زيد، ذاك الذي كثيراً ما أوسع عَمْراً وغيرَهُ ضرباً أكثر مما ضُرِبَ في المدونة النحوية العربية. بل يذهب الشاهد في مبالغة الحسن بالكحل، إذ ينفي رؤيةَ رجلٍ كزيدٍ حسناً للكحل في عينه.

      أليس في الشاهد إيحاءٌ افتراضيٌّ بأنَّ واضع الشاهد امرأةٌ وليس رجلاً، أو أن فيه علامةً على افتتانٍ ما بحُسنٍ في المذكَّر، يصل إلى حد الغزَل النحوي- إن جاز الوصف؟. أم صِيْغَ الشاهدُ على تلك الشاكلة الجمالية، لأنَّ زينة الكحل في المرأة خِلْقةً، ولأنَّ الرجال كانوا يكتحلون، كما هم في بعض البوادي العربية إلى اليوم؟ ربما.. لكنْ لو قيلَ مثلاً: ( ما رأيت امرأةً أحسن في عينها الكحلُ منه في عين فاطمة )، لأُفردتْ فاطمة مثلاً، بما هي مؤنث، عن كل ذاتِ طَرْفٍ كحيل. ولظل الشاهد مَصُونَ الجناب نحوياً، ولظلت لزيد حظوته النحوية ضارباً عَمْراً حيناً، ومضروباً من غيره حيناً آخر.  

        (3)

       لعل بعض مُباشري الدرس النحوي يبتسمون، الآن، سخريةً من زيغٍ السطور السالفة، إذ هم يدركون ما تُوقع فيه الحركاتُ من لَبْس، فالتعليق هنا خارج السياق النحوي ومسألته فعلاً، ولعله أوقع صاحبه في وهم. فليس ثمة كُحْل - بضمٍّ فسكون – أساساً، ولا إثمدَ معدوداً في الأحجار أو المعادن ذات الأهمية الاقتصادية ..إلخ، وليس للكحل ومسألته، علاقة بمسائل أخرى تم تداولها في غير حقلٍ وعصر، كالمسألة الشرقية، أو المسألة الأساسية في الفلسفة. وليس في الشاهد افتتان بحسنٍ في المذكَّر ، يصل إلى حد الغزل النحوي، ولا هم يحزنون. ومازال زيدٌ رجل الشواهد النحوية العتيدة موفورَ الجانب، فالكَحَلُ، بفتحتين: سواد في أجفان العين خِلْقةً. قال الشاعر:

كأنَّ بها كُحْلاً وإنْ لم تُكَحَّلِ

والكَحَل: مصدر الأكحل و الكحلاء من الرجال والنساء؛ قال ابن سيده: والكَحَل في العين أن يعلوَ منابت الأشفار سوادٌ مثل الكُحْل من غير كَحْل.

       (4)

        لكنْ ألا يكون الكَحَلُ خِلقةً أحسنَ في النساء منه في الرجال، أم تراهم كانوا ذوي حساسية جمالية وذوق عاليين، من غير ما ريبة أو توجس، إذ يصدرون لغوياً عن خلفية ثقافية، لم تكن تُذكي حساسية ما ، كالتي تكاد تذهب، الآنَ، بريح الرهافة الحضارية والإنسانية، وتبلّد الإحساس بالجمال، وتوقظ معاني الجفاء والغلظة، فلا يتأمل نفرٌ من ممارسي النحو، تعلماً أو تعليماً، دلالة الشاهد، ومغايرته اللافتة، فيهرول هرولةً مُدجَّجاً بما تقوله القاعدة، وحُكم العمل والإعمال، ثم الإعراب بمعناه التقني أفقياً، فلا يروقه أو يستميله أو يستوقفه حِسٌّ جماليٌّ في الشاهد، كأنْ لم يمرّ على شبيهٍ به أو نظيرٍ، في كتب الأسلاف، كالفراء: يُقال عينٌ كحيلٌ، بغير هاء، أي مكحولة. وفي صفته، صلى الله عليه وسلم، في عينه كَحَلٌ. وفي حديث أهل الجنة: جُرْدٌ مُرْدٌ كَحْلَى!.

       

      

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية