المعلّم في خميسه...والمثقف في القارورة !!
د.سعيد الجريري
من المشترك في تركيب هذا العنوان العطفيّ أنه على نسق السفارة في العمارة لعادل إمام، لكنْ شتان ما بين الفيلم وما سيؤدي إليه السياق ههنا. غير أنَّ الجزء الأول من تركيب العنوان مستدعى من الأمثال الشعبية (المعلم في خميسه). والمعلم هو مدرس الصبيان، وخميسه هو الأجر الذي يدفعه كلُّ طفلٍ كل يوم خميس للمعلم. ويُضرب هذا المثل - كما يقول بامطرف في معجم الأمثال والاصطلاحات العامية المتداولة في حضرموت - للشخص الذي لا يهمه إلا الأجر الذي يتقاضاه مقابل قيامه بعمل ما سواء أتقن أم لم يتقن العمل.
لكنْ ما العلاقة بين السفارة في العمارة، والمعلم في خميسه، والمثقف في القارورة؟. ببساطة شديدة العلاقة واقعة في الصميم، وليست أضغاث كتابة أو تهويمات تعبيرية. فليس لتركيب المثقف والقارورة في هذا العنوان صلة بما قد يتبادر إلى الخيال من كناية عن المرأة ( = رفقاً بالقوارير )، وليس له صلة بالمجاز الدال على الخمر مثلاً، لكنه متجه عبر سياقٍ تبدو فيه أنماط المثقفين كما صنفها خيري منصور في مقالين متواليين: المثقفون الثلاثة، والمثقف الرابع ، في(القدس العربي 26/9-3/10/2009م).
الثلاثة الذين عناهم الأستاذ خيري أولهم من حوّل ثقافته إلى ركام من المعارف تستدعيها المناسبات، وهو نموذج شيزوفريني، حربائي متلون بلون كل طارئ، لكنه يعود إذا اقتضى الأمر فرداً في القطيع أو فرداً من قبيلة غزَيّة التي تفكر له وتحلم نيابة عنه وهو مجرد رقم أصمّ في نسيجها. لكن هذا المثقف قد يتحدث عن الحرية، والعصيان، والدور التاريخي للنّخب، لكن ما إن يتعرض لأول اختبار حتى يرسب بعدة امتيازات، والأمثلة لا تحصى... فهو أستاذ جامعي، تنتهي مهمته عند حدود مهنته، فما إن يعود من الجامعة حتى يلتئم السياق الاجتماعي، باحثاً بقوة عن شهادة حسن سيرة وسلوك، فالتاريخ بالنسبة إليه هو ما غَبَر، والآداب هي مجرد أخيلة لا صلة لها بحياته اليومية، وعلم الاجتماع لا امتداد له في المجتمع ومجمل علائقه المعقدة...هذا المثقف يتزوج ويجاور وينجب ويعيش ويموت فرداً ضالاً في قطيع، فلا هو ذاته ولا الآخر الذي قرأ عنه وحاول تقمّصه لبعض الوقت... وتوشك قبضته أن تتيبس على منتصف العصا، وخطورته ليست في ما يلحقه بذاته من أذى، بل بالنموذج الذي ينسجه للمثقف أمام ذويه وتلامذته في الجامعة أو جيرانه، فهم سيدركون بمرور الوقت أن عبارة العلم الذي لا ينتفع به تليق بهذا الكائن الذي يمتلك القدرة على أن يستدير مئة وثمانين درجة كي يقول بأن الأرض ليست كروية ولا تدور).
والمثقف الثاني - ومازال التوصيف لخيري منصور- ( يعيش حياتين، إحداهما سرية لطقوسه وقراءاته وموسيقاه ومجمل شجونه المعرفية، والأخرى علنية متوائمة مع القطيع، فالليل له والنهار للآخرين...ومن ممارسات هذا المثقف المنشطر إلى ليل أبيض ونهار أسود، إنه يفضل الزواج من فتاة صغيرة شبه أميّة كي يتولى بنفسه تربيتها، ثم ينشىء أطفاله على غرار ما أنشأه والداه الأميّان، ويعيد إنتاج تربويات الزجر والعقاب والتحريض على الكذب بحثاً عن النجاة بألفاظ جديدة، لأنه يريد أن يكون في الربع الأول من القرن العشرين وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين دون أن يخسر شيئاً، ويريد زوجة وأبناء ماهرين في الكذب واسترضائه لأنه لا يقوى على عبء حرياتهم التي تنمو بعيداً عن وعيه ورغماً عنه...).
أما المثقف الثالث فهو ( الأطروحة المضادة، والمحاولة الباسلة للبقاء على قيد ضميره ومهنته، قابضاً على الجمرة بلسانه لا بيده، فهو يكابد على مدار الساعة محروماً من النوم للدفاع عما تبقى من ملكوت لم يتسرب إليه العسس أو المتسللين بين الطبقات والمهن لإرباك المعيار وحذف الفارق بين النعيق والهديل وبين الفحيح والحفيف. والكتابة عن هذا المثقف الثالث الذي يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ويشم بأنفه متمرداً على منة تأجير الحواس، تستحق أضعاف ما كتب عن المثقفَين السابقَين، لكن حصة الفردوس كما قال دانتي في كوميدياه هي أقل بأضعاف من حصة الجحيم ... لهذا المثقف، تشرق شمس الغد إذا أشرقت...فهو الشرارة الهاجعة في الصوّان، وشفق الكون الأبدي... لأنه رديف القيامة، واللقاح في زمن الوباء، وآخر دفاع علنيّ عن خجل الإنسان!). لكنْ ( أين هو؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ) ذلك المثقف!! سؤال مؤلم متلوّ بثلاث عشرة علامة استفهام ، ختم به الأستاذ خيري مقاله الأول عن المثقفين الثلاثة.
***
أولئك هم الثلاثة الذين أرّقوا خيري منصور، لكنّ من يكتب عنهم - كما يقول - يصبح لزاماً عليه أن يحدد موقعاً وموقفاً، ويتطلب هذا قدراً من الاعتراف، والشهادة عن وقائع وسياقات عيشت في ظلال نظم مؤثثة بالزعم والادعاء...إنه المثقف الرابع الذي يشهد ويصنّف ويروي ويصف أيضاً، قد يكون الكاتب ذاته أو ما يرشح من لا وعيه. فهو - بجميل وصف الأستاذ خيري- قد يكون الجدار الرابع في البيت أو البعد الرابع في مفهوم ظلّ مبتوراً وأحادي البعد لعدة قرون، ومن استثمروا الجهل والفاقة والأمية وظنّوا بأنهم نجوا بجلودهم وبما نهبوا وما شهدوا به من زور، عليهم انتظار المساءلة بدءاً من أبنائهم وأمهاتهم اللواتي توزع دمهن بين الأنذال الثلاثة!!! الذين جاء في حكاية ذات مغزى عميق أنهم صادفوا في طريقهم امرأة جاوزت الثمانين، وقد احدودب ظهرها وحفرت الثمانون تضاريسها في الوجه الذي برز منه الأنف وغارت العينان، وقرر الثلاثة أن يتنافسوا على لقب أنذل إنسان في التاريخ، فاقترب الأول منها وضربها حتى سقطت مغشيا عليها وقد تضرجت بدمها، وعلى الفور أعقبه الثاني الذي قال بأنها تحولت إلى سلحفاة مقلوبة على ظهرها فأجهز عليها حتى الموت..عندئذ لم يبق أمام الثالث ما يتفوق به على الاثنين، لكنه صاح بصوت من حقق نصراً: إن هذه العجوز هي أمي. لهذا استحق لقب الأنذل بين الأبناء في تاريخ البشرية...
بين المثقفين الأربعة والأنذال الثلاثة يُحال أحياناً على صورة لمثقفٍ من أولئك الأربعة - وهو ليس الثالث أو الرابع قطعاً - فيوصف مثلاً بأنه:( كالعطر لا يندفع من القارورة إلا إذا وجد مسارب للخروج )!!. حيث لا معنى لجمالية التشبيه بالعطر الذي ينتظر مَن يبخُّه في فضاء ليس هو من صنعه!!، فيظل المثقف(!!) مضغوطاً في قارورة، ليمكث ويطول به المكث في قارورته الأنيقة ربما، ريثما يتفضل عليه باخ - ليس له علاقة بالفيلسوف الألماني فيورباخ طبعاً - بمسربٍ من مسارب الخروج!!.
إذاً فهو مثقف لا فاعلية له.. مفعولٌ به مضغوط، لا يخرج إلا إذا أوجد له الآخرون مساربَ هم صانعوها!!. فهل هو بصفاته تلك المثقف الخامس أو ربما الخامس بعد المائة العاشرة اللذينِ سكت عنهما خيري منصور،أو هو مسكوتٌ عنه لأنه خارج مجرة الثقافة أصلاً..وليس ( خارج التصنيف والخانات والجداول التي تتراشق بها اتحادات الكتّاب أو الكتبة في عالم عربي لم تتبلور فيه مهنة المثقف، فهي صفة مرنة ومطاطية، تُمنح مجاناً للأميين بمقياس غير أكاديمي...)؟.
تشخص في المسافة بين معلمٍ في خميسه و مثقفٍ في قارورة علاماتٌ وملامح تجسد بؤساً مركّباً، من نواتجه الرجرجةُ والخلخلةُ والإرجاءُ وظيفةً، وطبيعةً، ومفهوماً، ليس على مبعدة من حالات المد والجزر التي شهدها الدور الواقعي للمثقف، وتجلت في الأعمال الروائية العربية كصورة المثقف الطليعي في روايات عبد الرحمن منيف في صراعه مع الأنظمة الشمولية، وهو صراع ينتهي دوماً بانكسار المثقف أمام أدوات السلطة، أو حالة المثقف البرجوازي الذي يناقش المسائل من بعيد وينظر لها من دون أن ينخرط مباشرة في الأحداث، كما رصدها جبرا إبراهيم جبرا، أو صورة المثقف المحبط، الملفوظ من قبل المؤسسات والمجتمع معاً، التائه في محيط غريب عنه، كما تقدمه فاتحة مرشيد وهي تتحدث عن الواقع. (حسام ميرو: المثقف في الرواية العربية).
وبالعودة إلى تساؤل العلاقة بين المعلم في خميسه، والمثقف في القارورة؟. تبدو الصورة محددة الأبعاد، وليست من أضغاث الكتابة أو تهويمات التعبير. فخميس المعلم هو ما يتقاضاه أتقن أم يتقن عمله، وقارورة المثقف سجنه الزجاجي الأنيق، الذي يرى من خلاله العالم، ولا سبيل إلى خروجه منه إلا إذا وجد المسارب، والمسارب محكومة بضغطة من مجهول، فهو إذاً بخّة أو بخّات سرعان ما تتلاشى في فضاء ملوث بروائح قبح، وجهل، وزيف، وادعاء. غير أنّ ( السفارة في العمارة )- التي افتتحنا بها المقال- فاعلية سينمائية مغايرة، فحتى بائعة الهوى في الفيلم لا تقبل التطبيع، وترفض أن تبيع هواها في عمارة تدنسها السفارة!!. فلا خميس ولا قارورة، على مابين بائعة الهوى من جهة، ومعلم الخميس ومثقف القارورة من جهة أخرى، من افتراق افتراضي – متحقق بعيداً عن الخميس والقارورة - قيَميّاً وثقافيّاً، مفتوحٍ على تداعيات المواقف، ومؤرقات الأسئلة الكبرى، التي ينوء بها المثقف الثالث، قابضاً على الجمرة بلسانه لا بيده، بتعبير خيري منصور.








