طبعة جديدة من كتاب 'مؤلفات ابن خلدون' لعبد الرحمن بدوي
وقفة أمام علاقة المثقف بالحاكم في ظل انهيار الدولة
محمود قرني
أصدر المجلس الأعلى للثقافة ( في مصر ) طبعة جديدة من كتاب الدكتور عبدالرحمن بدوي 'مؤلفات ابن خلدون'، وهو الكتاب الذي كان قد صدرت طبعته الأولى مرافقة للمؤتمر الموسع الذي انعقد بمناسبة المئوية السادسة لرحيل مؤسس علم الاجتماع والتي حملت حينذاك عنوانا واسعا هو 'وحدة المعرفة'، وقد شارك فيها عدد كبير من الباحثين والمفكرين على مستوى العالم وشملت محاور اساسية حول ابن خلدون المثقف والإنسان ومصادر ابن خلدون المعرفية.
ويذكر أن الكتاب هو جزء من سلسلة كتب سوف يصدرها المجلس تمخضت عنها أبحاث المؤتمرات الموسعة التي عقدها خلال السنوات الماضية، ومنها تلك الندوة التي حاضر فيها اكثر من عشرين باحثا من مختلف أرجاء الأرض، وسوف نعرض هنا لأهم جوانب الكتاب.
وتجدر الإشارة الى أن العلامة ابن خلدون قضى الشطر الأخير من حياته في القاهرة وعاصر دولة المماليك وغزوة تيمورلنك للشام، وقد تولى العديد من المناصب في مصر وعلى رأسها وظيفته كقاضي للقضاة، وقد توفي في مصر ودفن بها في رمضان عام 1406م.
المؤلفات الصغرى ولوحة الحياة
يبدأ الكتاب الصادر بمناسبة الندوة عن مؤلفات ابن خلدون للدكتور عبدالرحمن بدوي بسيرة حياته والحكام الذين عاصرهم ثم يعرض مؤلفاته الصغرى، وكتاب العبر الذي تضمن مقدمته الشهيرة، وكذلك الكشف عن المخطوطات التي ارتبطت بها، ثم ترجمات المقدمة والعبر، والنشرات النقدية والطبعات، وآخر مؤلفاته وأول من نقل عنه، ثم عددا من النصوص في اخبار حياته وآراء المعاصرين فيه، ثم المدارس التي درس فيها ابن خلدون.
وقد ولد عبدالرحمن ابن خلدون في أول رمضان في 27 ايار (مايو) عام 1332م الموافق 732هجرية في مدينة تونس، درس القرآن واللغة العربية والحديث، وفي عام 749 حدث وباء الطاعون فهلك أبواه وكذلك بعض أساتذته فعكف على القراءة ثلاث سنين.
وفي عام 755 هجرية سافر الى مدينة فاس وانتظم في درس العلم لدى السلطان أبي عنان، وكان دائم اللقاء بالوافدين الى فاس من أهل العلم، وبعد ذلك بثلاثة أعوام اتهم ابن خلدون بالتآمر مع الأمير محمد حاكم بجاية لاسترجاع الملك من السلطان أبي عنان وسجن في العام ذاته، وبعد وفاة السلطان أطلقه الوزير الجديد الذي قام على شؤون الدولة الحسن بن عمر، وفي عام 765 كلفه السلطان أبو عبدالله بالسفر الى ملك قشتالة لاتمام الصلح بينه وبين ملوك المغرب، ويقول هو نفسه عن الزيارة 'إن يدور 'الملك' عاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية سلفنا باشبيلية، وأثنى عليّ عنده طبيبه إبراهيم بن زرزر اليهودي، المقدم في الطب والنجامة، فطلب الطاغية مني حينئذ المقام عنده، وأن يرد عليّ تراث سلفي باشبيلية، فتفاديت من ذلك بما قبله'، غير أن الوشاة أوقعوا بينه وبين لسان الدين بن الخطيب الذي ظن أن ابن خلدون سيحل محله عند السلطان.
وبين بجاية وتلمسان وفاس والأندلس ترحل ابن خلدون الى أن استقر بفاس منذ عام 776هجرية وانقطع لتحصيل العلم غير أنه قبض عليه من السلطان ابو العباس أحمد ابن أبي سالم ثم أطلقه فتوجه إلى الأندلس ومنها مرة أخرى إلى فاس وتلمسان، وفي عام 779 أتم بن خلدون المقدمة في خمسة أشهر، وفي عام 780 حال إقامته في تونس أوقع به محمد بن عرفة شيخ الفقهاء بسبب التفاف طلاب العلم حوله، غير أنه استطاع إكمال 'كتابه العبر' فأكمل أخبار البربر، وكتب حول تاريخ ما قبل الإسلام، وفي عام 784 وصل ابن خلدون الى الإسكندرية قادما من تونس واتصل بالسلطان الظاهر برقوق وكان قد التف حوله طلاب العلم، وتولى بعد ذلك التدريس بمدرسة القمحية جار جامع عمرو بن العاص، ثم تولى منصب قاضي قضاة المالكية ويقول ابن خلدون عن ذلك: 'قمت بما دفع إليّ من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا ينزعني عنه جاه ولا سطوة، مسويا في ذلك بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين'.
ثم تولى المنصب ذاته للمرة الثانية عام 801هجرية وسافر الحج وزار بيت المقدس، ثم طلب أهله من تونس غير أنهم ماتوا غرقا في الطريق، فاعتكف وطلب الزهد والتأليف والقراءة، وتوفي ابن خلدون في الخامس والعشرين من رمضان عام 808 هجرية ودفن في مقبرة الصوفية خارج باب النصر بالقاهرة.
المقدمة من الأعمال الكبرى في الفكر الإنساني على مر العصور
من المؤلفات التي تركها ابن خلدون والتي يطلق عليها عبدالرحمن بدوي 'المؤلفات الصغرى' يشير إلى كتابه 'لباب المحصل' في أصول الدين، ويشير بدوي الى أن هذا الكتاب لم يبق منه غير مخطوطة وحيدة، لكنها ثمينة جدا وتغني عن غيرها، ذلك أنها بخط المؤلف نفسه وهذه المخطوطة محفوظة بمكتبة الأسكوريال بالقرب من مدريد، كذلك لخص ابن خلدون العديد من الكتب لابن رشد وألف كتب تقييد المنطق، كتابا في الحساب، شرح رجزا في اصول الفقه للسان الدين بن الخطيب، وشرح الردة، وشفاء السائل لتهذيب المسائل، هذا بالاضافة الى المقدمة، التي يقول عنها بدوي انها من الأعمال الكبرى للفكر الإنساني على مر العصور لأنها ـ في رأيه ـ تضع الأسس الأولى لعلم جديد هو علم العمران الذي هو مزيج من علم السياسة وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع بالمعنى الحديث، وينتقد بدوي من أخذوا على ابن خلدون قصور المنهج التاريخي لأنهم تعاملوا مع المقدمة باعتبارها بحثا منظما في النقد التاريخي، فانتظروا أن يجدوا فيه ما ينتظرون، بينما ـ حسب بدوي ـ لم يرد ابن خلدون إلا أن يشير إشارة عامة الى أوهام أو مغالطة المؤرخين وأن يدعو من وراء ذلك الى إقامة 'منهج تاريخي' أو نقد للتاريخ.
ويرى بدوي أن الذين أنكروا عليه أنه فيلسوف للتاريخ انما تلمسوا وراء آرائه في تطور الدول فلسفة منظمة في التاريخ والزمان تقوم بدورها على فلسفة في الوجود شأن كل فلسفة حقة في التاريخ، بينما هو لم يقصد الى شيء من ذلك، لأنه أراد استقراء الأحوال التاريخية الواقعية للدول التي عاصرها وشارك في أحداثها، ثم استشرف بفكره شواهد من التاريخ الإسلامي بخاصة وأحيانا شواهد من التاريخ العام تأييدا للقواعد العامة التي استخلصها مباشرة من الأحوال الواقعية.
ويرى بدوي ان الذين استكثروا على ابن خلدون أن يكون مؤسسا لعلم الاجتماع انما قاسوه بعلم الاجتماع كما رسخت قواعده في النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل هذا القرن ـ يقصد القرن التاسع عشر والقرن العشرين ـ ويراه بدوي قياسا غير مقبول من الناحية التاريخية، لأنه يرى أن تطور علم الاجتماع قد سار في اتجاه آخر غير الاتجاه الذي كان سيتخذه لو أنه بدأ من النقطة والأسس التي خلفها ابن خلدون. ويقول بدوي: إن القارئ يحار أحيانا في معرفة الباب الذي يندرج فيه هذا أو ذاك من المعاني الرئيسية في المقدمة، ويضرب مثلا بفكرة 'العصبية' ويتساءل عما إذا كانت تمثل فكرة سياسية أم ظاهرة اجتماعية، كذلك ينطبق الأمر على آرائه في الكسب والمعاش، وهل هي آراء اجتماعية أو اقتصادية، ويخلص بدوي الى أن المقدمة مزيج من فلسفة التاريخ وعلم السياسة وعلم الاجتماع، ويقول: ليس لنا أن نحكم عليها إلا على هذا الأساس وحده، ويشير بدوي إلى ما أسماه أصالة المقدمة، ويرى أن هذه الأصالة ظاهرة أولا في أنها أول كتاب عرض لأحوال الاجتماع البشري في الدولة ولاحظ ما يطرأ عليه من عوارض ذاتية، وانتهى على أن المجتمع الإنساني ممثلا في الدولة كائن عضوي حي، يولد ثم ينمو ثم ينضج ثم يستهلك نفسه ثم يموت، ويشير بدوي إلى أن ابن خلدون حدد لهذا الكائن العضوي عمرا هو في نظره يمتد الى أربعة أجيال، والجيل يستمر أربعين عاما، وقد ربط ابن خلدون بين الدولة والظروف المحيطة بها سواء كانت جغرافية أو إقليمية أو سياسية لذلك قسم العالم الى أقاليم فيما يمكن أن نسميه علم الجغرافيا البشرية.
ويقول بدوي إن أصالة المقدمة تتأتى كذلك من الفصول التي تضمنتها عن الدول وأحوال تطورها والملك والتغلب وأنواع الملك وكيف يسري إليه الانحلال، ويعترف بأنه وإن لم يقم ببحث مقارن في النظم السياسية، وكاد يقصر بحثه على الخلافة الإسلامية، إلا أنه كان مطالعا لما كتبه أرسطو في السياسة وأفلاطون في الجمهورية، كذلك قرأ ابن رشد وعني بتلخيصاته لكتب أرسطو، كما يشير بدوي إلى أن ابن خلدون يمتاز عن غيره من سائر المؤلفين في السياسة أن الآخرين بحثوا في أمور الدولة كما يجب أن تكون لها في الدولة كما هي واقع في التاريخ، لهذا يرى بدوي أن بحث ابن خلدون كان اقرب الى العلم الوضعي بالمعنى الحديث لهذا اللفظ. وينقل بدوي عن ابن خلدون قوله: إن جميع الذين سبقوا كلهم حوم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقق قصدهم ولا استوفت مسائلهم'.
ويؤكد بدوي مرة أخرى أن أصالة ابن خلدون تتبدى في ظاهرة تفرقته بين العمران البدوي والعمران الحضري، وفي دراسة كل نوع منها دراسة تعتمد على فكرة البيئة وعلى تأثير الأحوال الاقتصادية في أبدان البشر وأخلاقهم، مما يفضي به الى وضع اثبات بخلاف الناس في كل نوع منها، كذلك يشير بدوي الى أصالة فكر ابن خلدون عبر دراسة عن عمر الحضارة حيث يرى أن العمران كله من بداوة وحضارة وملك له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من اشخاص المكونات عمرا محسوسا وينقل عن ابن خلدون قوله في ذلك: فلنعلم أن الحضارة في العمران أيضا كذلك، لأنها غاية لا مزيد وراءها، وذلك أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه الى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها، والحضارة هي التفنن في الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع'.
تضمن كتاب عبدالرحمن بدوي الى جانب ذلك عرضا للمخطوطات التي تناثرت من المقدمة وكذلك آخر مؤلفاته وأول من نقل عنه، ونصوصا في اخبار حياته وآراء المعاصرين فيه.
مؤتمر السجال السياسي حول رجل دولة
بدأ السجال الفكري حول ابن خلدون في معظم ندوات المؤتمر ينحو منحى سياسيا، وبدا ذلك جليا بداية من كلمات الافتتاح كما تبدى في كلمة الدكتور جابر عصفور وتعرضه لعلاقة ابن خلدون بتيمورلنك أثناء وجوده في دمشق مع السلطان فرج بن برقوق، وهو أيضا ما اكتنف كلمة الطيب تيزيني الذي أفاض في قدرة ابن خلدون على استغلاله الثقافة في مآربه السياسية، ووصف عصره كله بأنه عصر أفول حضاري ولم ينجح ابن خلدون في فرض مشروعه عليه رغم أهميته، وكذلك يبدو البعد الذي تناول منه محمود أمين العالم مشروع ابن خلدون الذي حاول في البداية ربطه بالجذر الفلسفي لمفهوم الحركة إلا أنه انتهى بقراءة سياسية اتهمت ابن خلدون بانه رجل سياسة من طراز فريد، يجيد المراوغة إجادة كاملة. وابن خلدون في إطار استعراضه حياتيا يبدو ضحية للدولة العربية الإسلامية الآفلة إبان القرن الخامس عشر الميلادي ـ الثامن الهجري، فقد كان ضحية الفتن في كل الأقطار والأمصار التي حل عليها، فلا يكاد يقيم بمكان حتى يدس له لدى السلاطين فيغادر مكانه، وقد انتهت حياته شديدة البؤس بعد غرق أهله في الطريق الى مصر من تونس، ومع ذلك استطاع أن ينجز واحدا من أهم المؤلفات في التاريخ الإنساني حسبما يعبر الدكتور عبدالرحمن بدوي.
وهذه السيرة كان أجدى بها أن تلفت انظار المثقفين العرب الى هذا التاريخ المدمى في علاقة ابن خلدون بالسلاطين والملوك والأمراء، وليتأملوا كيف كان يدير منصبه كقاضي لقضاة المالكية في مصر، ومآثره في هذا الموقع، والتاريخ يعيد نفسه وينتهي على نفس الصيرورة، ففي الوقت الذي كانت تشرف فيه الحضارة الإسلامية على الانهيار، كتب ابن خلدون أعظم كتاب في التاريخ البشري، انه الكتاب الذي تأسست عليه الدولة الحديثة في كل بقاع الأرض
ويذكر أن الكتاب هو جزء من سلسلة كتب سوف يصدرها المجلس تمخضت عنها أبحاث المؤتمرات الموسعة التي عقدها خلال السنوات الماضية، ومنها تلك الندوة التي حاضر فيها اكثر من عشرين باحثا من مختلف أرجاء الأرض، وسوف نعرض هنا لأهم جوانب الكتاب.
وتجدر الإشارة الى أن العلامة ابن خلدون قضى الشطر الأخير من حياته في القاهرة وعاصر دولة المماليك وغزوة تيمورلنك للشام، وقد تولى العديد من المناصب في مصر وعلى رأسها وظيفته كقاضي للقضاة، وقد توفي في مصر ودفن بها في رمضان عام 1406م.
المؤلفات الصغرى ولوحة الحياة
يبدأ الكتاب الصادر بمناسبة الندوة عن مؤلفات ابن خلدون للدكتور عبدالرحمن بدوي بسيرة حياته والحكام الذين عاصرهم ثم يعرض مؤلفاته الصغرى، وكتاب العبر الذي تضمن مقدمته الشهيرة، وكذلك الكشف عن المخطوطات التي ارتبطت بها، ثم ترجمات المقدمة والعبر، والنشرات النقدية والطبعات، وآخر مؤلفاته وأول من نقل عنه، ثم عددا من النصوص في اخبار حياته وآراء المعاصرين فيه، ثم المدارس التي درس فيها ابن خلدون.
وقد ولد عبدالرحمن ابن خلدون في أول رمضان في 27 ايار (مايو) عام 1332م الموافق 732هجرية في مدينة تونس، درس القرآن واللغة العربية والحديث، وفي عام 749 حدث وباء الطاعون فهلك أبواه وكذلك بعض أساتذته فعكف على القراءة ثلاث سنين.
وفي عام 755 هجرية سافر الى مدينة فاس وانتظم في درس العلم لدى السلطان أبي عنان، وكان دائم اللقاء بالوافدين الى فاس من أهل العلم، وبعد ذلك بثلاثة أعوام اتهم ابن خلدون بالتآمر مع الأمير محمد حاكم بجاية لاسترجاع الملك من السلطان أبي عنان وسجن في العام ذاته، وبعد وفاة السلطان أطلقه الوزير الجديد الذي قام على شؤون الدولة الحسن بن عمر، وفي عام 765 كلفه السلطان أبو عبدالله بالسفر الى ملك قشتالة لاتمام الصلح بينه وبين ملوك المغرب، ويقول هو نفسه عن الزيارة 'إن يدور 'الملك' عاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية سلفنا باشبيلية، وأثنى عليّ عنده طبيبه إبراهيم بن زرزر اليهودي، المقدم في الطب والنجامة، فطلب الطاغية مني حينئذ المقام عنده، وأن يرد عليّ تراث سلفي باشبيلية، فتفاديت من ذلك بما قبله'، غير أن الوشاة أوقعوا بينه وبين لسان الدين بن الخطيب الذي ظن أن ابن خلدون سيحل محله عند السلطان.
وبين بجاية وتلمسان وفاس والأندلس ترحل ابن خلدون الى أن استقر بفاس منذ عام 776هجرية وانقطع لتحصيل العلم غير أنه قبض عليه من السلطان ابو العباس أحمد ابن أبي سالم ثم أطلقه فتوجه إلى الأندلس ومنها مرة أخرى إلى فاس وتلمسان، وفي عام 779 أتم بن خلدون المقدمة في خمسة أشهر، وفي عام 780 حال إقامته في تونس أوقع به محمد بن عرفة شيخ الفقهاء بسبب التفاف طلاب العلم حوله، غير أنه استطاع إكمال 'كتابه العبر' فأكمل أخبار البربر، وكتب حول تاريخ ما قبل الإسلام، وفي عام 784 وصل ابن خلدون الى الإسكندرية قادما من تونس واتصل بالسلطان الظاهر برقوق وكان قد التف حوله طلاب العلم، وتولى بعد ذلك التدريس بمدرسة القمحية جار جامع عمرو بن العاص، ثم تولى منصب قاضي قضاة المالكية ويقول ابن خلدون عن ذلك: 'قمت بما دفع إليّ من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا ينزعني عنه جاه ولا سطوة، مسويا في ذلك بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين'.
ثم تولى المنصب ذاته للمرة الثانية عام 801هجرية وسافر الحج وزار بيت المقدس، ثم طلب أهله من تونس غير أنهم ماتوا غرقا في الطريق، فاعتكف وطلب الزهد والتأليف والقراءة، وتوفي ابن خلدون في الخامس والعشرين من رمضان عام 808 هجرية ودفن في مقبرة الصوفية خارج باب النصر بالقاهرة.
المقدمة من الأعمال الكبرى في الفكر الإنساني على مر العصور
من المؤلفات التي تركها ابن خلدون والتي يطلق عليها عبدالرحمن بدوي 'المؤلفات الصغرى' يشير إلى كتابه 'لباب المحصل' في أصول الدين، ويشير بدوي الى أن هذا الكتاب لم يبق منه غير مخطوطة وحيدة، لكنها ثمينة جدا وتغني عن غيرها، ذلك أنها بخط المؤلف نفسه وهذه المخطوطة محفوظة بمكتبة الأسكوريال بالقرب من مدريد، كذلك لخص ابن خلدون العديد من الكتب لابن رشد وألف كتب تقييد المنطق، كتابا في الحساب، شرح رجزا في اصول الفقه للسان الدين بن الخطيب، وشرح الردة، وشفاء السائل لتهذيب المسائل، هذا بالاضافة الى المقدمة، التي يقول عنها بدوي انها من الأعمال الكبرى للفكر الإنساني على مر العصور لأنها ـ في رأيه ـ تضع الأسس الأولى لعلم جديد هو علم العمران الذي هو مزيج من علم السياسة وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع بالمعنى الحديث، وينتقد بدوي من أخذوا على ابن خلدون قصور المنهج التاريخي لأنهم تعاملوا مع المقدمة باعتبارها بحثا منظما في النقد التاريخي، فانتظروا أن يجدوا فيه ما ينتظرون، بينما ـ حسب بدوي ـ لم يرد ابن خلدون إلا أن يشير إشارة عامة الى أوهام أو مغالطة المؤرخين وأن يدعو من وراء ذلك الى إقامة 'منهج تاريخي' أو نقد للتاريخ.
ويرى بدوي أن الذين أنكروا عليه أنه فيلسوف للتاريخ انما تلمسوا وراء آرائه في تطور الدول فلسفة منظمة في التاريخ والزمان تقوم بدورها على فلسفة في الوجود شأن كل فلسفة حقة في التاريخ، بينما هو لم يقصد الى شيء من ذلك، لأنه أراد استقراء الأحوال التاريخية الواقعية للدول التي عاصرها وشارك في أحداثها، ثم استشرف بفكره شواهد من التاريخ الإسلامي بخاصة وأحيانا شواهد من التاريخ العام تأييدا للقواعد العامة التي استخلصها مباشرة من الأحوال الواقعية.
ويرى بدوي ان الذين استكثروا على ابن خلدون أن يكون مؤسسا لعلم الاجتماع انما قاسوه بعلم الاجتماع كما رسخت قواعده في النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل هذا القرن ـ يقصد القرن التاسع عشر والقرن العشرين ـ ويراه بدوي قياسا غير مقبول من الناحية التاريخية، لأنه يرى أن تطور علم الاجتماع قد سار في اتجاه آخر غير الاتجاه الذي كان سيتخذه لو أنه بدأ من النقطة والأسس التي خلفها ابن خلدون. ويقول بدوي: إن القارئ يحار أحيانا في معرفة الباب الذي يندرج فيه هذا أو ذاك من المعاني الرئيسية في المقدمة، ويضرب مثلا بفكرة 'العصبية' ويتساءل عما إذا كانت تمثل فكرة سياسية أم ظاهرة اجتماعية، كذلك ينطبق الأمر على آرائه في الكسب والمعاش، وهل هي آراء اجتماعية أو اقتصادية، ويخلص بدوي الى أن المقدمة مزيج من فلسفة التاريخ وعلم السياسة وعلم الاجتماع، ويقول: ليس لنا أن نحكم عليها إلا على هذا الأساس وحده، ويشير بدوي إلى ما أسماه أصالة المقدمة، ويرى أن هذه الأصالة ظاهرة أولا في أنها أول كتاب عرض لأحوال الاجتماع البشري في الدولة ولاحظ ما يطرأ عليه من عوارض ذاتية، وانتهى على أن المجتمع الإنساني ممثلا في الدولة كائن عضوي حي، يولد ثم ينمو ثم ينضج ثم يستهلك نفسه ثم يموت، ويشير بدوي إلى أن ابن خلدون حدد لهذا الكائن العضوي عمرا هو في نظره يمتد الى أربعة أجيال، والجيل يستمر أربعين عاما، وقد ربط ابن خلدون بين الدولة والظروف المحيطة بها سواء كانت جغرافية أو إقليمية أو سياسية لذلك قسم العالم الى أقاليم فيما يمكن أن نسميه علم الجغرافيا البشرية.
ويقول بدوي إن أصالة المقدمة تتأتى كذلك من الفصول التي تضمنتها عن الدول وأحوال تطورها والملك والتغلب وأنواع الملك وكيف يسري إليه الانحلال، ويعترف بأنه وإن لم يقم ببحث مقارن في النظم السياسية، وكاد يقصر بحثه على الخلافة الإسلامية، إلا أنه كان مطالعا لما كتبه أرسطو في السياسة وأفلاطون في الجمهورية، كذلك قرأ ابن رشد وعني بتلخيصاته لكتب أرسطو، كما يشير بدوي إلى أن ابن خلدون يمتاز عن غيره من سائر المؤلفين في السياسة أن الآخرين بحثوا في أمور الدولة كما يجب أن تكون لها في الدولة كما هي واقع في التاريخ، لهذا يرى بدوي أن بحث ابن خلدون كان اقرب الى العلم الوضعي بالمعنى الحديث لهذا اللفظ. وينقل بدوي عن ابن خلدون قوله: إن جميع الذين سبقوا كلهم حوم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقق قصدهم ولا استوفت مسائلهم'.
ويؤكد بدوي مرة أخرى أن أصالة ابن خلدون تتبدى في ظاهرة تفرقته بين العمران البدوي والعمران الحضري، وفي دراسة كل نوع منها دراسة تعتمد على فكرة البيئة وعلى تأثير الأحوال الاقتصادية في أبدان البشر وأخلاقهم، مما يفضي به الى وضع اثبات بخلاف الناس في كل نوع منها، كذلك يشير بدوي الى أصالة فكر ابن خلدون عبر دراسة عن عمر الحضارة حيث يرى أن العمران كله من بداوة وحضارة وملك له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من اشخاص المكونات عمرا محسوسا وينقل عن ابن خلدون قوله في ذلك: فلنعلم أن الحضارة في العمران أيضا كذلك، لأنها غاية لا مزيد وراءها، وذلك أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه الى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها، والحضارة هي التفنن في الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع'.
تضمن كتاب عبدالرحمن بدوي الى جانب ذلك عرضا للمخطوطات التي تناثرت من المقدمة وكذلك آخر مؤلفاته وأول من نقل عنه، ونصوصا في اخبار حياته وآراء المعاصرين فيه.
مؤتمر السجال السياسي حول رجل دولة
بدأ السجال الفكري حول ابن خلدون في معظم ندوات المؤتمر ينحو منحى سياسيا، وبدا ذلك جليا بداية من كلمات الافتتاح كما تبدى في كلمة الدكتور جابر عصفور وتعرضه لعلاقة ابن خلدون بتيمورلنك أثناء وجوده في دمشق مع السلطان فرج بن برقوق، وهو أيضا ما اكتنف كلمة الطيب تيزيني الذي أفاض في قدرة ابن خلدون على استغلاله الثقافة في مآربه السياسية، ووصف عصره كله بأنه عصر أفول حضاري ولم ينجح ابن خلدون في فرض مشروعه عليه رغم أهميته، وكذلك يبدو البعد الذي تناول منه محمود أمين العالم مشروع ابن خلدون الذي حاول في البداية ربطه بالجذر الفلسفي لمفهوم الحركة إلا أنه انتهى بقراءة سياسية اتهمت ابن خلدون بانه رجل سياسة من طراز فريد، يجيد المراوغة إجادة كاملة. وابن خلدون في إطار استعراضه حياتيا يبدو ضحية للدولة العربية الإسلامية الآفلة إبان القرن الخامس عشر الميلادي ـ الثامن الهجري، فقد كان ضحية الفتن في كل الأقطار والأمصار التي حل عليها، فلا يكاد يقيم بمكان حتى يدس له لدى السلاطين فيغادر مكانه، وقد انتهت حياته شديدة البؤس بعد غرق أهله في الطريق الى مصر من تونس، ومع ذلك استطاع أن ينجز واحدا من أهم المؤلفات في التاريخ الإنساني حسبما يعبر الدكتور عبدالرحمن بدوي.
وهذه السيرة كان أجدى بها أن تلفت انظار المثقفين العرب الى هذا التاريخ المدمى في علاقة ابن خلدون بالسلاطين والملوك والأمراء، وليتأملوا كيف كان يدير منصبه كقاضي لقضاة المالكية في مصر، ومآثره في هذا الموقع، والتاريخ يعيد نفسه وينتهي على نفس الصيرورة، ففي الوقت الذي كانت تشرف فيه الحضارة الإسلامية على الانهيار، كتب ابن خلدون أعظم كتاب في التاريخ البشري، انه الكتاب الذي تأسست عليه الدولة الحديثة في كل بقاع الأرض
.
القاهرة ـ 'القدس العربي'









