حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
الشيء معادلاً لنقيضه : الكتابة الرياضية مثالاً

الشيء معادلاً لنقيضه

  الكتابة الرياضية مثالاً                     
                                                           سعيد الجريري

 

     في المتداول الشعبي الرياضي أن الرياضة فن وأخلاق ، وإذا خسر أو أخفق شخص ما ، في أمر من أمور الحياة ، وقبل النتيجة دون امتعاض ، يوصف بأن لديه روحاً رياضية . فالرياضة ترويض للانفعالات وردود أفعال النفس ، وتعليمها كيف تكون كبيرة بالمرونة والاتزان لا التهور والغضب والهياج. والرياضة أيضاً ثقافة ، ومهارة نفسية وجسدية ، وغير ذلك يحيلها إلى ضربٍ من العبث بالنفس والجسد معاً.

     وكما في الحياة العامة لم تعد الرياضة الأكثر شعبية في العالم – كرة القدم – استثناء من معجم دخيل على فلسفتها ، فالمتابع للغة التعليق الرياضي ولاسيما في الصحافة يلحظ ظاهرة - لا حالة -  تتشكل ربما بعفوية أو عدم اكتراث ، لعلها جزء من محاكاة لغة المشهد العام حيث تهيمن لغة غير رياضية ، تشيع جواً مناقضاً للرياضة مفهوماً ووظيفة.

      ولخطورة التأثير الذي تمارسه الصحافة الرياضية في وعي وسلوك القراء/الجمهور ، وهو جمهور غالبيته من جيل الشباب ، ويتلقى في طريقه إلى الإحاطة بالحدث الرياضي حمولات نفسية وثقافية ولغوية خطيرة ، فإن تأمل لغة الكتابة الرياضية يغدو أمراً ضرورياً ، لكي لا تكون الرياضة أداة لما هو غير رياضي ، فيؤدي الانشغال بما هو رياضي إلى نقيضه.  فثمة ميل نحو الإفادة من الاتساع اللغوي وسيلةً مجازيةً في أداء تشويقي ، قد يمتد اتساعه إلى لغة أدبية بمعيار الانزياح عن الاستعمال النفعي للغة ، لكن المعجم الرياضي الذي يُرفَد كل يوم بتعبيرات جديدة هو معجم غير بريء ، يشوه الرياضة بنقيضها ، ويكثف في نفوس جمهور الرياضة مشاعر أو انفعالات غير رياضية ، تعلي كعب الانفعال والغضب والعصبية ، وتقزّم الروح الرياضية ، فيتشكل مزاج جماهيري انفعالاتي مشحون مهيأ للشغب لأتفه الأسباب ، ولعل من نماذج ذلك الاتساع بالمجاز والاستعارة قولهم مثلاً: ( الفريق الفلاني يكتسح ، يدحر ، يسحق ، يغتال ، يثأر ، يطيح ، يستخدم مختلف أسلحته ...إلخ ) ، أو استعمال تعبيرات من حقول مناقضة بالضرورة كالأدوات والمفاهيم العسكرية والقتالية والقبلية ، بالرغم من أن كرة القدم رياضة مدنية بالدرجة الأولى ، وهي من معايير تمدن الإنسان ، بل هي لغة سلام عالمية تتجاوز الحدود القطرية والقومية ، و لا حاجة بها إلى ترجمان.

     إن النزوع نحو استعمالات مجازية من حقول متعارضة مع الحقل الرياضي المدني التسامحي المتعالي على تشوهات النفس الانفعالية والغضبية ، ربما يجد تفسيره في التأثر السلبي بلغة السياسة والحرب والضغوط الاقتصادية ، بحيث يجد الكاتب الرياضي في الحدث الرياضي معادلاً موضوعياً مناسباً للتعويض عن هزائم السياسة والحرب والاقتصاد ، فينحرف بلغته عن سياقها ، من حيث لا يشعر ، لكنه يقف على أرض غير منسجمة مع رسالته المكملة لرسالة الملعب الذي يتنافس فيه شباب ملؤهم الفتوة الجسدية والمهارة الفنية ويحكمهم قانون اللعبة المدني بالضرورة الذي ليس من مفردات مواده الدولية : يكتسح ، يدحر ، يسحق ، يغتال، يثأر ، يطيح ، يستخدم مختلف أسلحته ، أو ما شابهها من أفعال وصفات غير رياضية.

       الرياضة ولاسيما كرة القدم لعبة مثيرة وخطيرة في آن معاً ، فهي جامعة لقلوب الملايين ، مؤثرة فيهم تأثيراً عميقاً ، بشكل مباشر وغير مباشر ، فماذا لو كان التعبير عنها سلبياً كما هو في كثير من صحفنا الرياضية؟

    لعل للموضوع مداخل أخرى أعمق على المستوى النفسي والاجتماعي والثقافي والرياضي ، لكنني أكتفي هنا بالإشارة إلى جانب مضيء في التعبيرات الرياضية كأن نجد عناوين الزوايا والأعمدة الرياضية مقتبسة بشكل ذكي وشائق من سياق اللعبة نفسها مثل : ضربة حرة – ضربة ركنية – ضربة جزاء - كارت أحمر – تسلل – الشوط الثالث – الوقت بدل الضائع – بين الشوطين - Hard Luck ، وهكذا.

     ولئن كان هناك ما يشبه العدوى بالهوس المجازي الموغل في الإيحاء السلبي، فإن اللغة ودلالاتها لا تضيق بما رحبت، إلا على الأقلام المتعكزة على أفق رياضي ضيق ، أما الأقلام الرشيقة فإنها تحمل رسالة الملعب النبيلة ، وتضفي إمتاعاً تعبيرياً فنياً على الإمتاع الرياضي الميداني، والكتابات شواهد.

     

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية