حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
اتحاد الأدباء - 10.. كالمرآة في كفّ الأشلّ
 
كالمرآة في كفّ الأشلّ

                                                                                                                                      سعيد الجريري

 

        ( لو سألت عن اتحادات للأدباء والكتاب في فرنسا أو بريطانيا أو أميركا أو اليابان لواجهت استغرابا ودهشة ، فالأدب ليس عملا نقابيا في هذه البلدان، ليدرج في خانة اتحاد أو نقابة، شأنه شأن نقابة الخياطين أو النجارين أو الطباخين، إنما هو عمل فردي ونشاط شخصي جدا فضاؤه المخيلة وشرطه الحرية والتحليق خارج الأقفاص والحدود والتجمعات).

         ذلك ما صدرت به الكاتبة الروائية العراقية لطفية الدليمي مقالاً لها بعنوان: (اتحادات الكتاب - الطائر والقفص) ، وتضيف:(يتوهم البعض أن الانتماء لهذه التشكيلات يمنحهم شرعية الاعتراف بهم كتابا وشعراء ، إذ يدونون في سيرهم الذاتية - قبل ذكر أعمالهم - أنهم أعضاء الاتحاد الفلاني والاتحاد العربي الفلاني والنقابة الفلانية ويلغون كونهم كتابا مستقلين بتشبثهم العلني بالاتحادات العتيدة وليس اعتمادا على نتاجهم.. ويعود هذا إلى الخوف من مواجهة العالم دون سند من عشيرة أو طائفة، واتحادات الأدباء بديل عشيرة يحتمي بها المتوهمون من مواجهة الحشد).

          وفي السياق نفسه يكتب التونسي نزار شقرون مقالاً عنوانه:( اتحادات الكتاب وخيبة النخبة) ، يخلص فيه إلى أن: (مشكلتنا الأساسيّة في الاتّحاد وخارجه أي في إطار النّخبة تتلخّص في شخصنة الأوضاع و تبرير الواقع دون العمل على تغييره مرحليّا. لذلك قد يفهم أيّ موقف رصين وعملي على أنّه انتهاك لعلاقة إنسانيّة أو خروج من معطف أبوّة زائفة و لا ينظر إليه من زاوية ضرورة الاختلاف والإنصات إلى الآخر في واقع غابت فيه المواقف البنّاءة وتعاظمت فيه فزّاعات المتكتكين، وغلاة المصالح الآنيّة).

          هذان مثالان من المشرق العربي ومغربه يؤشران حالة عربية متماثلة حد التطابق ، وليس الاتحاد اليمني استثناء من تشخيص الحالة وتشوهاتها البنيوية ، إن لم يكن الحال في أدنى درجات التصور ، حبث هيمنة المسكوت عنه المتأول بالهرب إلى الأمام، كما ورد في رسالة منشورة في الصحافة مؤخراً ، وجهها إلى أمانة الاتحاد العامة ميفع عبدالرحمن أحد القابضين على جمرة الاتحاد / الرؤية الرائدة والفاعلة في تأصيل ثقافة المجتمع المدني والديمقراطية والتحديث.

         وعلى أعتاب التحضير للمؤتمر العام العاشر لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين تبدو الصورة كالمرآة في كف الأشلّ ، وهي صورة ينبغي تأملها بضراوة ثقافية جارحة لعلها تسهم بشكل ما في إعادة صياغة الاتحاد بما ينسجم وأهدافه الجوهرية بما هو كيان ثقافي وليس مجرد نقابة أو صندوقاً خيرياً للأدباء .. فالاتحاد طليعي التوجُّه والإرادة والاختيار منذ التأسيس ، وحريٌّ به اليوم أن يفكر في صيغة جديدة تخرجه من نفق التسويات والتكتلات والطفيليات ، لكن ليس باستبدال التسويات و التكتلات والطفيليات بأخرى ، فهذا عبثٌ آخر، وإنما بفتح أفق الرؤية بعيداً عن ضغط الأيديولوجيات أياً كان جنسها ، أو عبادة صنمٍ من صنع أيدينا. فالاتحاد صيغة تتطور وفق المتغيرات والتحولات ، ولعل إعادة صياغة بنيته وفق عقد جديد يشيع مناخات الحرية والإبداع ، ويشرع فضاءاتها الحقيقية في امتداد الوطن الجغرافي هو ما أُسس الاتحاد عليه ، وليس من أجل صنع نظام موازٍ لأي سلطة في مركزيتها ، لتظل الأطراف مهمشة ثقافياً ، الأمر الذي يصيب فكرة الاتحاد ومشروعه التنويري وإستراتيجيته الثقافية في مقتل.

          تتساءل لطفية الدليمي في مقالها المومأ إليه : متى يصبح الشأن الأدبي بمنأى عن الصفقات والتداول السياسي للمنتفعين من هذه المنظمات؟ ومتى يدرك المنشغلون بالاتحادات الأدبية أن الأطر تناقض حرية المبدع وتتواطأ ضدها ؟؟ وأن أدباء العالم يحيون أحراراً كالريح وبفعل حريتهم يؤثرون في اتجاهات الرأي وحراك المجتمع؟؟

         تساؤلات لا تجد صدى لها ، في الحالة اليمنية الراهنة ، إلا في تجليات طبيعية لرؤية شمولية - بدلالتها السالبة - لم تعد تليق بإطار إبداعي رائد في الحريات والمدنية والاستنارة الفكرية- كما أشرت في مقال سابق - فهي حالة بائسة لا تنتج إلا بؤساً ثقافياً وتذمراً وإحباطاً وتهميشاً وفساداً تنشط في مستنقعه طفيليات النفعية والفهلوة وتصفية الحسابات(!!) والتجاذبات غير الثقافية ، مطوقةً بما يسميه بعض الأدباء بـ(تسويات السياسة وتكتلات الجغرافيا!!) على عتبات كل دورة انتخابية! ، وهي تسويات يحضر فيها المركوم النسقي بصور كاريكاتيرية ثقيلة الدم ، ويظل الاتحاد بوصفة منارة للمدنية والديمقراطية والتحديث هو الغائب المقروءة على روحه فاتحة الغياب!.

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية