على غيمةٍ من هديلٍ خُرافي
سعيد الجريري
وفي غَبَشٍ كاليقينِ تراءَى له..
على غيمةٍ من هديلٍ خُرافي ، تنام الأميرةُ ، في يدها وردةٌ ، وفي الشفتَيْنِ قوافٍ غوافِ .. وتصحو الأماسي على شفتَيْها حنيناً يُهاذي احتراقَ المُنَى في المنافي .. قصائدُها ضجَّةٌ كالفيافي
تُبعثرُها الرِّيحُ، والليلُ، والمطرُ المستريب.. أميرةُ أندلس التائهينَ تُرتِّلُ شَجْْواً ، وليلِي صلاةٌ بمحرابها..
أمَا في الليالي هديلٌ لِرُوح ؟
أيا مُنتهى الوجدِ في هجْدةِ الليلِ ،
هذا نشيجُ الأميرةِ ، في الخافقَيْن.
وتصحو الأميرةُ... هجْسُ القصيدة مازال أخضرَ، و التمتمات.. ومازال طُهرُ القوافي يبلُّ الشفاهَ ، ندًى، أُغنيات ...
وأصحو...
- صباح القداسةِ ، سيّدتي.. تفجَّرَ َقلبُك في الضفتَيْنِ ، كتاباً من الهدهداتِِ... أتلوهُ وِرْداً ، فَـ..وِرْداً ، فتنفتح الضفّتانِ سماءً لقلبي ، ومعراجَ وَجْدٍ ، ويخضرّ قلبي ، كأغنيةٍ حضرمية ... تُوسوسُ هامسةً: (( جادكَ الغَيثُ ...ياآخرَ العائدين)).
يَهمي زمانُ الوصْلِ توشيحاً تناسَلَ في كلِّ ريحٍ ، على غيمة من هديلٍ خُرافي.. وتهمِي الأميرةُ صبحَ مساء.. تحنو على عاشقٍ ضلَّ ألفاً وألفاً وألفاً من السَّنوات .. تُهدهدُهُ في أمَاسٍ غَوافِ.. وتبكي ، وتضحكُ ...
يا لَلأميرةِ ، يا لَلبهيَّةِ ، يا لَلشقيَّةِ.. في صمتها ملَكوتٌ ووَجْد ، وفي مقلتيها صهيلٌ و وَردُ !!
ويدهمني الليلُ في لحظةٍ.. ألُوذُ بأُنثى البحارِ العصيَّة.. أنوحُ...تُداخلُني رِعدةٌ ، أستفيقُ... تُداخلُني رِعدةٌ ، تجتليني تُرتِّلُ آياتِ لوعاتِها الباذخة .. وتمسحُ عن خدِّها دمعتَين..............
- أسيّدتي ، انتظريني ، نُصَلِّ ... صلاةَ الجحيمِ ، على جنّةٍ لا يراها سوى دمعِنا ، واشتعال خُطانا ...
تُتمتمُ سيدةُ التائهين: انتظرتُ ، انتظرتُ ، انتظرتُ.. توضّأتُ بالضوءِ ، سربلَني الفَجْرُ فيضَ ابتهالاتِهِ الغامضات.. وضجّتْ أغاني المساءِ بقلبي... و ما ضَجَّ وعدٌ و لا ذكريات !
- أسيّدتي ، انتظريني ، نُصَلِّ... صلاةَ الطفولةِ، في غدِنا ... حالمَيْن..
- نُصَلّي ...
و صلَّتْ مدائنُ... جادتْ غيوثٌ ، وهاجتْ بقلب البهيَّةِ أورادُها، وغنَّتْ... وغنَّتْ... فنامتْ طيوفٌ ، على غيمةٍ من هديلٍ خُرافي... وضجَّتْ مرافئ:
( عيناكِ أغنيتانِ من خمرٍ وكوثر. وأنا الضِّلِّيلُ في كأسَيْنِ من شَفَقٍ تفجَّر..يا ضجّةً مَوسقْتُها بالحُبِّ ، راقصتُ شَجَاها فتغَشَّاني مقامٌ دافئُ الإيقاعِ ، أدناني وأقصـ......ـاني وفجّرَ في مواويلي شَجًى ما خِلْتُهُ يصحو...على خدَري...إنِّي على خدَري أُراقصُكِ ..فضُمِّيني إليكِ ولملميني..بعثرتْني مفازةُ العُمرِ، ونامتْ في تقاسيمي الأغاني والهُجُوس..
هل لي بكأسٍ، رشفة أو رشفتَيْن؟..
عيناكِ كأسَا لذَّةٍ فانسكبي يا خمرةَ الرُّوحِ وبُوحِي .. بين جنبَيْكِ هواي .. ضجَّةٌ ليست تنامُ برقصةٍ أو رقصتَيْن.
هيّا تعالَي نرقصِ الليلةَ فوقَ الغيمِ..هيّا ،هاتي يدَيْكِ ..مُدِّي ذراعاً من ندًى ، ضُمِّي هوًى ضجَّ بإيقاعاتِك الثملَى وداخ..
هيّا تعالَي نخلةً طارتْ جدائلُها على الغيماتِ..مالتْ بحنُوٍّ فوق هَجْسي ..يا لأعْذاقِ الخُرافة!!
يا لإيقاعاتِ همسكِ ..يا لنا من عاشقَيْنِ تلعثما ، فتراشَفَا لُغَةَ المقام ..يا لعينيكِ.. مُحيطٌ من غَرام!).
وفي غبَشٍ كاليقين أفاقَ.. رأى ما لا يرى النائمون.. بلاداً تنامُ على دمها مُثخنة... تُقِيدُ به جذوةَ المستحيل ، على وردةٍ من نشيجٍ خُرافي.








