حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
خيري منصور يعيد الاعتبار للجملة العربية

العصا والناي  لخيري منصور:

 ناثر متفرد يعيد الاعتبار للجملة العربية

                                                    محمود قرني

 

    في كل كتاب نثري جديد يصدره خيري منصور، ثمة استعادة لمنظومة القيم الثقافية والأدبية الرفيعة.
  فعلى المستوى الجمالي حازت المقالة النثرية لخيري منصور على إجماع نادر في نثريتنا الراهنة، فهي سبك محكم بين جلال وقوة وانصهار المفردة في موضوعها، وهي كذلك عبير عن تراكم معرفي يؤمن بتاريخية العنصر الحضاري، وكذلك، فهي في جانبها الأهم، كشف عن الاستحقاق الذي نادرا ما يتبوأه في ثقافتنا من هم أهل له.
فمقالة خيري درس ممتع في الأبنية الفكرية واللغوية التي افتقدتها صحافتنا، وهي تذكير دائم بتراثنا النثري الباذخ منذ مصطفى صادق الرافعي وطه حسين وميخائيل نعيمة وأمين نخلة وغيرهم من رواد النهضة العربية الحديثة.
وعلى المستوى الأخلاقي لم يتراجع خيري منصور مرة واحدة عن قناعاته الداعمة للقيم الحاكمة للعمل الثقافي والسياسي، وظلت الحرية كمطلب شعبي عربي نداء لا يمل من تكراره والانحياز له بطريقته، ولعل الكثير من مقالات الكتاب تؤكد الكثير من مثل هذه المعاني، وهي سمات تميز مقالات خيري منصور في صحف مختلفة وفي أماكن مختلفة.
أقول ذلك بمناسبة ذلك الكتاب المهم، الذي صدر قبل حوالي الشهر تحت عنوان 'العصا والناي' للشاعر خيري منصور وهو الكتاب الجديد الصادر عن سلسلة 'كتاب الهلال' متضمنا عددا من المقالات معظمها ـ كما يعترف ـ كان جماع زاويته الشهيرة بالقدس العربي 'شاهد نفي' تلك الزاوية التي تحولت ـ مع الوقت ـ إلى مزار حميم لقراء خيري منصور من شتى البقاع.
وربما كانت المقدمة شديدة القصر، عميقة الدلالة التي كتبها الشاعر لكتابه هي المفتاح المثالي لفض مغاليق هذا الكنز الصغير الذي لا تتجاوز مقالاته ستا وعشرين مقالة.
يشير خيري إلى أن الكتاب بمقالاته الست والعشرين يحاول استعراء العديد من الظواهر ورصد تجلياتها في مناخات يصفها بان تحولت الى 'حياة من النميمة المؤدلجة، وكوميديا من النبذ المتبادل والإقصاء الذي غالبا ما يبدأ من هاجس الاحتكار وينتهي إلى الإعدام الرمزي'.
ويشير خيري الى أنه تردد بين ثلاثة عناوين للكتاب أولها: رماد السنديان وثانيها العصا والناس، وثالثها السيف والندى، غير انه استقر على العنوان الثاني، ويبرز ذلك بقوله: انه عنوان يختزل ثنائية السلطة والثقافة والخوف والحرية، واليأس والحنين.
ثم يضيف موضحا: لن أتعسف في اقتراح المشترك المنهجي بين هذه المقالات، لأن مثل هذا المشترك قد يكون في عمق الشجن وتحول الأسئلة إلى مساءلات، قدر ما يتيح لنا القليل المتحقق من الحرية، ذلك لأن الحريات المسموح بها في عالمنا العربي كله قد لا تكفي كاتبا واحدا كما قال الراحل يوسف إدريس.
ويختتم خيري منصور مقدمته بالقول: إن العصا في ذروة وظيفتها الآن، أما الناي فهو مغمور بالرمال، وقد سملت الأصابع الأمية ثقوبه. وقد جاء المقال الأول بالكتاب تحت عنوان مهدت له مقدمة الكتاب هو 'كوميديا النبذ المتبادل'، وتبدو كمقالة ـ نموذجية ـ أولية وفاتحة لجرح كبير، والتباسات أكبر لأنها تتناول فكرة الحذف والنفي والإقصاء كثقافة ترحيبية شاعت مع ما يسميه ثقافة الاستقلال العربية، ويرصد الكاتب في المقال صورا مختلفة لهذا النبذ سواء كان ذلك يتعلق بمفرد، شاعرا كان أو ناقدا أو روائيا، أو بجمع عندما يتعلق الأمر باتجاه كامل.
يقول خيري منصور: الشعر العربي الحديث اقترنت بواكيره في أربعينيات القرن العشرين، بمناخات ترهيبية، ونعت رواده بخيانة الموروث القومي، وخدمة الاستراتيجيات المضادة للعرب، وكانت تلك بداية تكفير لاحق، كان ضحاياه مثقفين مغامرين لديهم قدر من الممانعة واللا امتثال'.
ويرى خيري منصور أن مناخات النبذ لم تقتصر على أفراد كالنقاد أو المشتغلين بالصحافة، لكنها ـ كما يقول ـ تمددت حتى شكلت الحزب والنقابة والجامعة وأخيرا بل أولا، الدولة.
وبين أهم مقالات الكتاب تلك المقالة التي تحمل عنوان 'فائض الحرمان'، ويتناول فيها خيري منصور فكرة الحرمان والفقر من مستويات عدة وزوايا نظر مختلفة تبدأ من حرمانات الفقر وسط إمبراطوريات وحكومات فاسدة، ثم تحول مفهوم الحرمان الى سايكولوجيا مقهورة كما يقول منصور، تؤدي في النهاية إلى كائنات مشوهة، أحيانا يبدو ألمها أكثر كوميدية من الكوميديا ذاتها. يقول خيري منصور:
'
هذا الفقر الذي يتصاعد وعيه الاستهلاكي في عصر تغرق فيه الصحف والشاشات بلعاب الجياع على ما يعرض من سلع عصية، يزاد تشبيثه بوظيفته، ويتأقلم مع مزاج مدرائه، حتى انه كما يقول 'موريس' يضطر الى تقصير قامته إذا كان طويلا أمام مديره، وأحيانا يضمخ ذكورتها بشيء من الأنوثة، إن كان رجلا ولكي يبدو طيعا وظريف الحضور أمام رئيسه'.
هذه صورة من صور النفاق الاجتماعي الناتج عن فائض الحرمان الذي يتحور لدى خيري منصور حتى يتحول إلى ما يسميه 'ماسوشية' بحيث يستمرئ الإنسان المنكوب آلامه ويدمنها، وأحيانا يطلب جرعات إضافية منها حسب تعبير الكاتب الذي يختتم مقاله بتخصيص أكبر عندما يتناول الحالة العربية، يقول متسائلا: أليس تمجيد العربي كإنسان تتجسد فيه تلك المفاهيم! إن من يمتدحون الصدق هم الذين يعاقبون الصادق! ويغطون بالحيلة إن كان فاقدها تماما كما أن كل الهجاء الذي يتوجه إلى الفساد كمفهوم مجرد ينقلب بضربة ساحر إلى مديح الفاسدين، ولو شئنا الاستطراد، لتقصي هذا التجريد الذي يمكن لنا أن نسميه وقائيا، ولما انتهينا، فمن يبالغون في الثناء على الشعر لأنه ديوانهم ينكلون بالشعراء، ومن تغزلوا بالمرأة حتى عبدوها، هم الذين يعذبونها عندما تصبح كائنا متجسدا بين أيديهم، إن فائض الحرمان والفقر، مطرود من الحواسب، ولا مكان له في إحصاءات مراكز البحوث والبنك الدولي، لأن تجلياته مبثوثة في تفاصيل بالغة الدقة في الحياة اليومية'.
يضم الكتاب كذلك عددا من المقالات المهمة مثل: إمبراطورية الصمت، الإقامة في الطريق، أسئلة محرمة، البحث عن لبيد، دفاعا عن غموض المساس، السيف والندى.
ويقع في 224 صفحة من القطع الصغير وصدر عن سلسلة كتاب 'الهلال'.

 

القاهرة ـ 'القدس العربي'

 

 


غلاف الكتاب



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية