حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
ولولا ثلاثٌ...
 

ولولا ثلاثٌ...

 

د.سعيد الجريري

 
(1)

        لعل كلمات العنوان ومحذوفها تحيل من طرفٍ ما إلى قول طرفة بن العبد في المعلقة:

ولولا ثلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشةِ الفَتَى      وَجَدِّكَ لمْ أَحفلْ مَتَى قامَ عُوَّدي

ولاسيما إشارته في الأبيات اللاحقة إلى سبقه العاذلات بشربةٍ كُمَيْتٍ، وكرّه إذا نادى المُضافُ مُحنّباً، وتقصير يومِ الدَّجْن ببهكنةٍ تحت الخباء المعمّد. غير أن المقال منساق، ههنا، إلى ثلاثٍ غيرهنَّ، وإن ظلت ثلاث ابن العبد تذكي إيحاءً ما، يُحدَس ولا يُوصَف.

        وقبل أن يبتعد بنا السياق عن ثلاث طرفة كلياً أستحضر تعليق د.طه حسين في ساعته الثانية مع طرفة متسائلاً عن رأي القارئ في شاعر أو كاتب أو متحدث يزعم أنه أنما يحب الحياة ويكلف بها، ويحرص عليها، لأنه يستمتع بالتدخين، وشرب القهوة، وقراءة الكتب، أو قراءة الصحف، أو الاستماع للمحاضرين. أترى أن فلسفته هذه تعجبك، أو ترضيك مهما يتكلف في تصويرها وتزيينها من أسباب الفن؟ إنما تعجبنا فلسفة طرفة هذه - بتعليل د.طه حسين - لأنها ساذجة تمثل حياة ساذجة، ولأن الشاعر قد صوّرها فأجاد تصويرها.

         ولولا ثلاث...

         إن لكل امرئ منا ثلاثاً يرى لها الصدارة في فلسفة الوجود، وثمة مصدَّرات ذات مرجعيات دينية، وفكرية، ونفسية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وأخلاقية، وتربوية...إلخ. والأخيرة هي المعنية في هذا المقال. وسأكتفي بإرسال إشاراتٍ في فضاء التداعي الحر، انسجاماً مع نمط المفتتح الشعري.

           (2)  

         وزارة التربية والتعليم ، مسمى مكوّن من ثلاث كلمات مركبة تركيبَ إضافة وعطف. والوزارة من الفعل وَزَرَ، والوَزَرُ: الملجأ، وأصله الجبلُ المنيع. والوِزْرُ: الحِمْلُ الثقيل. وهو الذَّنْب لثِقَله. والوزير:حَبَأُ الملك الذي يحمل ثِقله ويُعينه برأيه. والوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَر، والوَزَرُ الجبل الذي يُستعصم به ليُنجَى من الهلاك.

          والتربية مضافة إلى منعة الوزارة، والمضاف إليه كما يقول أهل اللغة نقطة ارتكاز تستقرعليها الدلالة ، وهي – أي التربية - مقدّمة في التركيب والترتيب النسقي على التعليم تنويهاً بأهميتها، وإلحاحاً على سبقها التعليمَ، حيث لا تعليمَ نافعاً للبشرية بدون تربيةٍ قويمة، وهذا سياق يطول فيه الحديث وتتوازى شجونه.

         والمعطوف على التربية هو التعليم، قسيم التربية في معنى الوَزَر، ووظيفة الوزارة. والتعليم من الفعل المضعّف ( عَلّمَ يُعلِّمُ )، وللتضعيف دلالته هنا، فالوزارة معنية بمستوياته ومناهجه وطرائقه وغاياته، ولكل منا أن يضيف ما يتصوره من معطوفات وشيجة بوزارة معنية بتنمية الإنسان وموارده.

          (3)

         هذه الوزارة ذات التركيب الثلاثي، كان تركيب مسماها ثنائياً، وزارة المعارف، والمعارف جمع معرفة، أي إنها كانت معنيّة بإعمام المعارف بأطيافها المختلفة. فهل كانت قاصرة عن التربية والتعليم أو العكس؟

         الإجابة تؤكدها مُخرجات المعارف النوعية، في غيرِ مجالٍ، ليس على خلفية الحنين إلى الماضي، ولكن اتكاءً على جدلية حضور الفلسفة وغيابها. فهل نتساءل عن فلسفةٍ، للتربية والتعليم، معينةٍ محددةٍ ترفعها جبلاً للمعرفة منيعاً، مثلما كان للمعارف فلسفتها التي أخرجت جبالاً معرفية، كلٌّ منها علَمٌ في رأسها نار، بتعبير الخنساء عن أخيها صخر.      

          وهل نتساءل عن تعددية الوزارات المعنية بوظيفة واحدة، وتواضع النتائج، حد تضاؤل المعايير الكيفية، والاحتفاء بكل ما هو كمي، على نحو لا يدل على فلسفةٍ من أي نوع يُبنى عليها نظام الوزارات الثلاث:التربية والتعليم، والتعليم الفني والمهني، والتعليم العالي والبحث العلمي!

           وهل نستحضرُ في سياق التسمية طولاً وقِصَراً، عبارةَ النفّريّ الشهيرة: ( إذا ضاقت العبارةُ اتسعت الرؤيا )؟.أم هل يُراد للأجيال أن تميل مع طرفة فتعجبها فلسفته الساذجة ، فيلهج جيلٌ بعدَ آخر: ولولا ثلاثٌ...؟!.

 

 

 

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية