حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
يصدر في أربعينيته: ديوان عمر أبوبكر العيدروس ( أسكني بس ياجراح ):
 
في حَضرة العَيدروس

   

  لو لم يكن للشاعر الملحن عمر أبوبكر العيدروس ( 1945-2009م )، من الروائع الغنائية سوى: فهمك لمعنى الحب خاطي- ولا خصّك المولَى بشي- ويلوموني يلوموني وهم بالوصل أغروني- واسكني بس يا جراح ، لكانت له، بها وحدَها، مكانة بارزة في ديوان الأغنية الحضرمية المعاصرة. لكن أبا وضاح الذي أعلن عن هواجسه الشعرية واللحنية في سن متأخرة نسبياً، ظل يفاجئ جمهور الأغنية في الداخل والخارج بما يؤكد أصالة موهبته وامتداد نسوغها في أعماق التجربة الإبداعية بألوان طيفها الشعبية، والتراثية، والصوفية، حتى ظنَّ الجمهور أن فاتحة عطائه الفني( فهمك لمعنى الحب خاطي ) بعضٌ من نتاج الشاعر حسين أبوبكر المحضار الذي كان له مذهبه الخاص، فأدخل محبُّوه أغنيات مميزة لشعراء آخرين في ديوانه –توهماً- كما حدث مع أغنية (من مننا معصوم ) للشاعر أحمد سالم البيض، و( لانْ من بعدما ذوّب فؤادي بحبه ) للشاعر سعيد يمين،اللتين أضيفتا إلى الطبعة الثانية من ( دموع العشاق ). الأمر الذي يحيل إلى ما ذهبنا إليه ذات مرة من فرَضيةِ تعليلٍ بالتفريق بين ( نص المحضار والنص المحضاريّ)، إذ الأول هو من بنات وجدان الشاعر المحضار نفسه، أما الآخر فهو الذي ينشئه شعراء آخرون، مكتملةً أدواتُهُ الجمالية، كما عهدها الجمهور في أغاني المحضار رائد الأغنية المعاصرة ومجددّها.

      إن العيدروسَ شاعرٌ مُقِلٌ لكنه مجيد، كأولئك الذين عُرِفوا في تاريخ الشعر العربي بشعراء الواحدة، ومنهم ابن زريق البغدادي ذو العينية الشهيرة:(لا تَعذليهِ فإنَّ العَذْلَ يُولعُهُ )، غير أن العيدروس المُقِل المجيد يثير لدى متذوقي فنه – ولعلي واحدٌ منهم – ثنائية الشاعر الملحن التي كانت عنواناً بارزاً لمبدعين آخرين في حضرموت مثل: حداد بن حسن، وسعيد مرزوق، والمحضار، وأحمد عبود باوزير، والمفلحي، والكالف، وسعيد يمين ، محفوظ باحشوان، وجمعان بامطرف، وعبدالقادر الكاف، وغيرهم.

       ولعل هذه الثنائية كثيراً ما كانت تدل على تميز، إذ يتكامل اللحن والكلمة منسجمَين، فتكون فرادةٌ في أغاني الشاعر الملحن، لا تماثلها إلا فرادة أخرى لانسجامٍ بين ثنائيٍّ آخرَ يمثله شاعرٌ وملحنٌ منسجمان، كما في ظاهرة: حسين البار– محمد جمعة، وخميس كندي- صالح باعيسى، والمعلم حميدان – سالم جبران، ومحمد عبدالله الحداد – جبران، والبيض – جمعان بامطرف، والبيض - محمد علي عبيّد، وسالم بامطرف - محمد علي عبيّد، وسالم رزق الله – يسلم دحي - وأحمد بوسبعة - سالم علي بازياد، ومحمد باعكابة – علي سعيد، وغيرهم آخرون، وهو ما يحسن بالمهتمين بالأغنية الخوض فيه، ولا يتسع للتفصيل فيه هذا السياقُ الخاص.

**

       الديوان عصارة تجربة شعرية ولحنية دالة على رهافة حسٍّ انمازَ بها العيدروس، وعرفها فيه متذوقو أغانيه التي طارت في الآفاق عذبةً كروحه. ولئن لم يرَ هذا الديوان النورَ في حياة الشاعر، لأسباب لا سبيل لذكرها هنا، فإنّ صدوره في أربعينيته بعضٌ من وفاء لهذا المبدع الجميل الزاهد في الأضواء، كأسلافه المبدعين الرائعين الذين كانوا يضيفون إلى تراث شعبهم من دون أن يسألوا الناس شيئاً سوى الذكر الجميل. ولقد أضاف العيدروس أشعاراً وألحاناً ذات خصوصية جديرة بالدرس والتحليل، على مستويات مختلفة، سواء ما كان منها في محفزات القول الشعري أو مرجعياته، أو ما كان ذا صلة بالجُمَل اللحنية ومرجعياتها الموصولة بفلكلور حضرموت وتراثها الشعبي والإنشادي، كما في لحن ( يلوموني يلوموني) التي مطلعها:

تحدّانا وفارقنا    وريتُهْ ضبّط الآخر حفَظْ أسرارنا

ولكنْ راحْ يتجنّى    يقول للناسْ لا حُبُّه ولا شِي بيننا

ولا قلبي هوَاه

يلوموني يلوموني  وهُم بالوصل أغروني   وشَبْكوني مَعاه

أو لحن ( لا خصّك المولى بشي ) التي مطلعها:

مِن بَعد طُول الصبر جمعتْ بيننا الأيام       في غفلة العاذلْ

وسَنْحت الفرصة لنا وتقاربت لأحلام        والقلب متفائلْ

حتى القمرْ من فرحتي مستبشراً نشوانْ

لا خصّك المولى بشيْ يأتيك مهما كانْ

 أو لحن ( اسكني بَس يا جراح ) التي مطلعها:

ترّك العشِقْ يا مَغرورْ بَسْ واطلقْ سراحي

خلّنا با عِيشْ مطلوق السراحْ

ليه لا خُضتْ بَحركْ دُوبْ ما تسبرْ رياحي

هكذا خُنتنا انته وخانتنا الرياحْ

أثّرتْ فيك الدعايه      والوساوس و الوشايه

عَوّجَتْ فيك السماحْ

اسكُني بَسْ يا جراحْ

وهي الأغنية التي ارتأينا – الزميل صالح الفردي، ووضاح نجل الشاعر، وأنا - وضعَها عنواناً للديوان، لما لها من دلالة على فرادة العيدروس التلحينية، واشتغالها على ثيمة رئيسة مفعّلة في نصوص الديوان التي تتجاوب فيها فاعلياتٌِ وجدانيةٌ متعددةٌ تجلياتُها، ستحظى- مضمومةً – باحتفاءٍ من نقاد الشعر والفن، لما تمثله من إضافة خاصة إلى معجم الشعر المغنّى، وطرائق تشكيله وبنائه وتوزيعه على نحوٍ دال على العيدروس في نسق الأغنية العام من جهة، وخصوصية تجربته الفنية من جهة أخرى، وهي تجربة تمتد من منتصف سبعينيات القرن الماضي، منذ أن صدح رفيق رحلته الغنائية الفنان كرامة مرسال، بالأغنية الأولى، ثم أتبعها بالروائع الأخرى التي تغنت بها أصوات فنية كثيرة، إلى العقد الأول من القرن الحالي، مع ذيوع أغنية (شربها باردة ) التي تغنى بها الفنان د.عبد الرب إدريس. غير أن هناك أغانيَ لم تنل حظها من التقديم والذيوع سيجدها قارئ الديوان، وهي لا تقلّ مستوى عن تلك التي باتت علامة دالة على مبدعها في العقود الماضية. 

**

      ليس ما تقدم من سطور تقديماً لديوان العيدروس، لكنه دعوةٌ لتلقي مادته، وتنويهٌ بثراء تجربته التي مدّت قامته الإبداعية، متشربةً جمالياتِ النظم والتلحين من مواردَ شتّى، تناغمتْ كلُّها فتمثلت في عمر أبوبكر العيدروس شاعراً ملحناً نقَشَ اسمَهْ بريشة الكلمة العذبة، والوتر الحساس، في مَسلَّة أَعلام الأغنية الحضرمية المعاصرة من الشعراء الملحنين. 

 

                                                   د.سعيد الجريري

                                                    المكلا: 1/8/2009م

                                                         

 


غلاف ديوان العيدروس



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية